Saturday, August 22, 2009

محمد الماغوط شاعر يتألم كالماء حول السفينة

حوار



حوار أجراه : أكرم قطريب
وشاكر الأنباري
وعادل محمود

صدرت أعمال الماغوط عن "دار المدى" في دمشق، من دون أن تلقى اهتماماً عميقاً، واسعاً في الصحافة الثقافية، تمجيد قراءة شاعر يتمتع بخاصيته اللغوية. منذ ذلك الحين، يحاول كثرة من أصدقائنا الشعراء والصحافيين "أسر" هذا النسر البدوي. فبعد مقابلة صحافية في الأمس القريب، استطاع زميلنا محمد علي الأتاسي أن يسرق "من الماغوط جولة هي عبارة على أسئلة، بل خلاصة أكثر من ( 11 9 العثمعي) الشعراء، دمشق، بيروت، السجون، الحرية وهلم جرآ. وكان زهونا الشعري.

أكرم قطريب وشاكر الأنباري وعادل محمود (!كون خيه) أكثر منها قراءة نقدية لشعرية الماغوط وتجربته، مضافة الى صور نادرة أمدنا بها الصديق محي الدين نصرة، فضلا عن نحاول أن نكون ملفا، بقدر ما نذكر أنفسنا، أصدقاءنا، قراءنا بشاعر يدمن الجوع، الأوجاع، يتألم كالماء حول السفينة.

"ملحق النهار"

أنا لا أكره أحدا، لا أحب أحداً لم أكره، لم أحب في حياتي سوى الشعراء.
ليس هناك في الكراهية أنواع، كما ليس في الشر أنواع. ليس هناك أسهل من الاحتيال على. عندما ا يبكي أحدهم أمامي، أصدقه فورا... أنا لا أجدد في صداقاتي او في عداواتي. الأعداء يأتون بأنفسهم، بشكل عفوي. أصدقائي منذ أيام السجن لا يزالون أصدقائي. اشعر بحنين الى أصدقائي القدامى في بيروت. أنا لا أكره أدونيس. ان أدونيس مجلة "شعر" ليس أدونيس اليوم.، ( رغم ان أدونيس هو من قدمني لمجلة

"شعر"، لكنه لم يكن يدرك من يقدم. أدونيس يريد من حوله مريدين لا أندادا. خالدة سعيد كانت أهم امرأة في سوريا، في النضال، في الكتابة، لكنه غطى عليها. كانت يجب أن تكون أهم من ناقدة: روائية او مسرحية أنا أحب أنسي، لا أفصل في علاقتي مع الشعراء بين الإنسان و شعره. أنسي قريب من الذي يكتبه، وهو يشبه شعره. لم أره مند سنوات. زمن بعيد. مشتاق إليه. أجمل مقابلة لي، أجراها أنسي، نشرها في "الملحق". كنا في دمشق برفقة فيروز، تمشينا في الطريق، لم يسجل شيء!، كتبها من ذاكرته. لم أعد للعيش في بيروت بعد إلغاء أمر إبعادي عنها في بداية السبعينات، بقيت في الشام. هنا أشعر نفسي أقوى، لأنني أكتب، أنتقد من داخل بلدي أحن الى الشام التي عرفتها، لا الى شام السلطة. كتبت مرة: كل ما أريده من مدينتي الحديثة، هو أرصفتها القديمة. أغلق مقهى أبوشفيق في مدخل دمشق. لم تعد قدماي تسمحان لي بالمشي الطويل. أحن آ الى المشي كما أحن الى مقهى أبو شفيق. ثلاثون سنة من عمري، أنا أمشي كل صباح الى هذا المقهى، أكتب فيه. الشام تحب دائما الغريب.

نعم أشعر بنفسي غريباً في الشام. الشام لا تحب أحدا. كتبت عن المرة: المدينة التي أعطيتها صدري أربعين عاما، لا أجرؤ أن أعطيها ظهري ثانية واحدة. حتى في السلمية أشعر بنفسي غريبا، فالناس تبدلت أكثر من تبدل الأمكنة. كل القضايا الكبرى انتصرت عليها، وهزمتني القضايا الصغرى كتسديد فاتورة الكهرباء. علاقتي بالشام قضية كبرى.، أنا أثبت وجودي. الشام مثل البنت التي أحببتها في صغري ورأيتها بعد خمسين عاما. أصبحت مرعبة. فجري كان في لبنان، غروبي في دمشق.

أحن كثيرا الى بيروت الخمسينات، بيروت- صور السياسيين في كل مكان، ليست بيروت التي أعرفها. بيروت السابقة لن تعود قطعا. دورها انتهى، لأنه كان مؤثرا على إسرائيل وهذا ممنوع.

رجلاي تؤلمانني جدا، لم اعد قادرا على المشي. وأنا أحب بيروت لأمشي في شوارعها لا لأركب التاكسي. ا حدود بيروت التي أعرفها هي شارع الحمراء شارع بلس والروشة. مركز المدينة الحالي: أنا أكره المال ورأس المال. في الحمراء كان هناك مقهى واحد على الزاوية أسمه النغرسكو، نجلس فيه أنا، ليلى بعلبكي، و دائما كان هناك عتمة. شارع الحمراء كان بالنسبة لي أجمل من الشانزليزيه، لكنه الآن صار مثل شارع الشانزليزيه: كله عرب. كانت أجمل السهرات في بيروت تلك السهرة التي جمعتنا بفيروز، الرحابنة ويوسف الخال، نازك الملائكة، وكان يومها، أنا صديق للرحابنة وفيروز. في بداية الستينات أجبرت على مغادرة بيروت، وبقيت عشر سنين مبعدا. كانت فترة مرة في حياتي، لليوم أرى بيروت في منامي. أحلم أنني دائما بعيد عن مكان إقامتي. لكن لا اعرف ما هو مكان إقامتي: بيروت... الشام. أرى أحياء وأرى نفسي بعيدا عن بيتي، ضائعا، أحاول أن أصل إليه، لا أستطيع. بعيد. بضائع ومستنقعات وأنهر وسلالم وقطط وكلاب وشرطة، وأنا حفيان. دائما حفيان. بيروت لم تنتزع الشام من قلبي. ان جيلي غير جيلك، أنت من جيل الشعارات، صعب عليك أن تفهم. أكره جو الأدباء، المثقفين،، أكره جلساتهم ، نقاشاتهم،، أحاول دائما أن أبقى بعيدا عنهم. أيام مجلة "شعر" كنت أكثر الموجودين صمتا، لم أوقع في عمري، لن أوقع أي بيان، او عريضة. عندي رأي أكتبه باسمي الصريح.

غالبا ما يكون موقعو هذه البيانات، ثلاثة أرباعهم ملغومون، الربع الباقي مرشح في مرحلة الاختبار. في داخلي رقيب ذاتي، لكن أصبح عندي حرفة وأستطيع ان أتحايل عليه. الجمال يقتل الرقيب. أنت قوي، لا أستطيع عليك، أحاول كرسام الكاريكاتور أن أجد لك عقب أخيل. صحيح ان مسرحياتي أضحكت السلطة، لكن هذا لا يعني شيءاً ما دام المعيار هو شعبيتها لدى الناس كافة. حتى الجلاد عندما يجلد، يرتاع قليلا، يقرفص، يدخن سيكارة. حاولت ان اعمل بعد ذلك في المسرح مع الجيل الجديد، لكنهم سرقوني، سرقوا ثيابي، سرقوا الغلة. مستحيل ان اكتب زاوية دون ذكر الحرية او السجون. إما لماذا لا أذكر أسماء السجون والسجناء، فلأنه ممنوع ان تذكر. يجب ان تعمم، هذه خبرة. أنا أحيانا لا أجرؤ على ذكر اسم الشام. أنا مسكون بالذعر، أي شيء يخيفني. الصديق يخيفني، الجار يخيفني، فاتورة الكهرباء تخيفني. أين سأذهب، كيف سأدفعها. أنا محمد الماغوط أينما كنت، في الشام، في بيروت، في الحمراء، في أبو رمانة، في الشانزليزيه، في السجن، في المرحاض. أنا أنا محمد الماغوط. أنا الوحيد الذي لم يتغير، لا يتقولب. كبرت وصرت على أبواب السبعين: مرض، غم، حياة، وأنا أنا.
إذا كان هناك بعض الناس التي لا تزال تكن لي الاحترام، فلأنني لم أبدل من موقف الى آخر، من اليمين الى اليسار، من الشرق الى الغرب. نعم تكفلت الدولة علاجي عندما مرضت. لم اشعر بالحرج، أحسست أنه لا يزال هناك خير في البلد. أنا اسم أدبي، هم يهتمون بالأسماء الأدبية. أنا لا أباع ولا أشترى، منذ الخمسينات الجميع يعرف ذلك بدءا من اصفر ضابط مخابرات. أنا أتنازل عن مليون شيء، لكن لا أتنازل عن قلمي. لا مال، لا سلطة، لا امرأة تعوضني عن الكلمة. كلما تقدم الانسان في العمر تصير المسؤولية اكبر في الحفاظ على المكانة التي وصل اليها. الصعود صعب، لكن السقوط، لا أسهل، خير مثال هو دريد لحام.
عندي حنين الى فكرة القومية السورية، هي أصفى فكرة على الإطلاق، من اجل ذلك قتلوا أنطون سعادة هذا القتل المبكر. الانتماءات لا تشغلني،، ما في بطاقتي لا يعني
بالنسبة لي شيئآ، على عكس ما في دفاتري. لست فخورا بكوني عربيا، ولا حتى بكوني سوريا. أنا لست لمنطقة، سخرت من البترول مليون مرة. اليوم هو زمنهم، مرحلتهم. إنهم يمسكون الوطن العربي من رقبته، من معدته، يمنعون عنه الحراك. إننا نعيش في مرحلة انحطاط، الآن هو العصر الذهبي لما سيأتي بعد. كتاباتي في "الوسط" مزحة سوداء، قاتمة بشكل مرعب، سخريتي تقطر مرارة. أنا في طبعي لست سياسيا، عندي هموم اكبر من السياسة. عرضوا علي العمل في "الوسط" قلت لهم سأكتب. لو لم يكن عندي شيء لأقوله ما كنت كتبت. أنا لا أكتب من اجل الفلوس. كنت أريد أن أضع عنوانا لكتابي الجديد: "شرق عدن، غرب الله"، لكن الصحف رفضت نشر العنوان، فوضعت عنوان "سياف الزهور". كلما سافرت الى اوروبا، اذهب وأنا عم أشتم، أعود، أنا عم أشتم. لا أطيق أن أبقى هناك، فالتدخين ممنوع في كل مكان، في الطائرة، في المقهى، في الفراش. في سجن المزة كنت أدخن بسهولة، حرية اكبر من اوروبا. أكره أميركا بشدة. في حرب البلقان وقفت الى جانب يوغوسلافيا،، صادف وجودي في فيينا خلال تلك الفترة ورأيت مظاهرات بالأحمر و بالأزرق،، بالاخضر في كل مكان. أردت أن أتظاهر ضد أميركا، رفعت عكازي ملوحا، دخلت إحدى المظاهرات، فاستوقفني بعض الأصدقاء، قالوا لي: وين رايح، هذه مظاهرة تأييد لأميركا.
لا أخرج في مظاهرات في بلدي، لان كل شيئ هنا مرتب. أنا أكره الترتيب، حتى الرجل الأنيق أكرهه. وطني هو دفتري، وأنا أتظاهر في دفتري فقط. إذا صار في بلادنا مظاهرات غير مرتبة، يومها

سنحن لتلك المرتبة. الناس فارغة،، ليس هناك من شيء. الرأسمال يحرك العالم. أنه زمن أميركا، زمن قضي فيه على كل شيء جميل. زرت روسيا، أحببت شعبها. شعب سوداوي يحب الشرب. لكن أين هو ذلك الزمن الذي كنت تجد فيه في كل أنحاء روسيا عند الساعة السادسة صباحا الخبز والبيض والحليب؟ أين طغاة ذلك الزمن، أين ستالين من طغاة اليوم، ب!دلتهم؟ ا
الذي فتحني على الحياة وصنع مني شاعرا هو سجن المزة. عندما دخلته أحسست ان شيئا في أعماقي تحطم، الى اليوم لا أزال أحاول أن أرممه. كنت أريد الدراسة في الكلية الزراعية، لكن بعد السجن أدركت ان اتجاه حياتي تغير. أمضيت فيه 9 شهور في العام 1955. 3 شهور في العام 1961. أنا وأدونيس دشن فينا عصر الإرهاب كنا في زنزانتين منفصلتين، كنت أراه من بعيد. ألفت بعض المسرحيات في السجن، مثلتها بمشاركة بعض المسجونين. لم أكن قابضا الحزب القومي السوري، ولم أصمد من اجله، ولكن لان طبعي عنيد. كنت أول من يبكي ويصرخ أثناء التحقيق. أنا إنسان مذعور لا أخاف السجن فقط، ولكن أشمئز منه وأحتقره.

أريد أن ألغي المسافة بين هذه التصنيفات: النثر، الشعر، المقالة. كلها عندي نصوص. إذا قلت عني لست بشاعر، لن أزعل، لن تهتز بي شعرة. الموسيقى في أشعاري موجودة ضمن النص. علاقة الكلمات بعضها ببعض في النص مثل علاقة الأخ بأخته، هما نائمان على فراشى واحد، أي حركة منه او منها لها تفسير. علاقة الكلمات بعضها ببعض كالحب الحرام، في القصيدة يجب أن لا يكون هناك أي إشارة خاطئة من هذا النوع.، هذه هي الموسيقى. كل كلمة في اللغة العربية هي كلمة شعرية، حتى الجيفة، حتى البراز، المهم ان تعرف كيف تضعها في النص. المهم ان أكون صادقا، أن يكون ما أكتبه جميلا. كل قطعة أكتبها، أبيضها عشرات المرات قبل النشر مدققا في كل حرف. أحيانا أبقى يومين اسأل نفسي أيهما أفضل وأقوى وأصح في هذه الجملة.
أحب واو العطف، لكني أحب كاف التشبيه أكثر، خصوصا في المقالة. منذ أيام بيروت جعلت من صور كاف التشبيه مرآوية على عكس المتعارف عليه: كامرأتين دافئتين كليلة طويلة على صدر أنثى أنت ياوطني. عدم معرفتي باللغات الأجنبية أراحني من الثقافة.
تعرفت على سنية لأول مرة عند أدونيس، خالدة في بيروت. هي الحب الوحيد. نقيض الارهاب، نقيض الكراهية. عاشت معي الفترة الصعبة.، أحملها في داخلي دائما. عاطفتي شموس، هي ليست مطواعة. كل ما أكتبه فيه شييء من السلمية، فيه شييء من الشام، فيه شييء من بيروت، فيه شييء من سنية. سنية أكبر من مدينة، إنها كون. بعد موتها صار حبها يشبه حب السلمية، ثمرة عشر سنين، لا تراها لكنك تظل تتذكرها. يستحيل أن يمضي يوم دون أن أذكر السلمية أو أذكر بيروت.
سنية شاعرة كبيرة لم تأخذ حقها. أنا أذيتها، اسمي طغى عليها، وهذا الذي لا يزال يؤلمني جدا. بعد موتها قررت أن لا أتزوج ثانية. فهى قدمت لي أجمل ابنتين في العالم: شام وسلافة. أن الحب لم يكن ابدآ مشكلة بالنسبة لي، الحرية هي هاجسي الأوحد. كل النساء من بعدها نجوم تمر وتنطفىء، هي وحدها السماء. كانت حياتنا جميلة، لكننا كنا دائما على خلاف. لم نتفق مرة على رأي. نسهر الى الصباح، نبقى مختلفين. جلست بقربها، هي على فراش الموت أقتلى قدميها المثقوبتين من كثرة الابر، فقالت لي عبارة لن أنساها: أنت أنبل إنسان في العالم. لا أحب الغيبيات. تسألني إذا كنت سأراها بعد الموت، كيف هذا وأنا في حياتنا المشتركة لم أكن أراها كما يجب.

لم أزر قبرها في مقبرة "الست زينب" إلا مرة واحدة. خالدة سعيد قالت للبنات عندما سألوها لماذا لا نذهب لزيارة قبر ماما: ماما فيكم، أنتم لجه ماما. أنا عاطفي جدا. كلمة، احدة في حوار، أغنية جميله قد تبكيني. لكن عشرين جنازة لا تحرك في شيئآ. أشعر أن جسدي في غروب. أكره الشيخوخة، أكره جسدي. إنه حقير، تافه. عندي الكثير لأعطيه لكن جسدي لا يلبيني، أما العقل فصاف. لم يعد هناك من علاقة حميمية بين جسدي و عقلي. لم أراع جسدي، كل ما يمكن أن يمارسه الشاب شط من سكر، جنس، عربدة مارسته باكرا، بغزارة، ها هو جسدي ينتقم مني رويدا رويدا. يدي التي أكتب بها القصائد، قد يمر شهران دون أن أتنبه لاستطالة أظافرها، أو لورم فيها. الويسكي كالشاعر، لا هوية له ولا وطن. زجاجة الويسكي حبيبتي. أدخن منذ كان عمري سبع سنوات. كنت أدخن في البداية أعقاب السكائر الملقاة على الطرق. السيكارة قاتلة بالنسبة لي بسبب مرض نقص التروية، لكنني لا أستطيع مفارقتها. استيقظ في الليل من اجل أن أدخن سيكارة.
أتعاطف مع الشيعة لان عندهم اجتهادا في الدين. أحب الله، أخاف منه، لكنني لا أحب أن أتكلم في الغيبيات. أخاف الموت أحيانا، أو بالأحرى أخاف ما يسبق الموت... المرض، أن لا أستطيع!المشي او الجلوس. لم اذهب الى السلمية منذ 13 عاما. قد أعود إذا مرضت كثيرا، تعبت. مكان الدفن، شكليات الموت لا تعني لى شيئآ، كذلك هي شكليات الحياة. كتبت على قبر سنية "هنا ترقد الشاعرة سنية صالح آخر طفلة في العالم"، لأميز قبرها عن الآخرين. وكيف سنميز قبرك، شاعرنا الكبير، ! محمد الماغوط؟
شخوا عليه.

Wednesday, August 5, 2009

كهرباء محمد الماغوط تسري في الشعر الجديد

محمد علي شمس الدين


(لبنان)

المختارات التي صدرت أخيراً للشاعر محمد الماغوط ضمن إطار (كتاب في جريدة) أعادت فتح السجال حول شاعر (حزن في ضوء القمر) وحول قصيدة النثر التي كتبها على طريقته الخاصة‚ وفي الوقت نفسه صدرت في دمشق مختارات مما كتب عن الماغوط عربياً‚ ماذا عن محمد الماغوط وقصيدته الرائدة؟ لم يبدأ محمد الماغوط بنشر قصائده في مجلة شعر‚ إلا ابتداءً من السنة الثانية لصدورها في يناير 1958‚ في العدد الخامس‚ فهو نشر في هذا العدد قصيدته (حزن في ضوء القمر)‚ وفيها يظهر‚ وللمرة الأولى في تاريخ الشعر العربي القديم والحديث معاً‚ وكأنه قائد مركب متشرّد في تيّار وحشي‚ في مغامرة غير مسبوقة في الكتابة‚ يدخلها الماغوط بلا اعتداد نظري أو تنظيري‚ وبسلاح وحيد هو نصّه العاري‚ يقول الماغوط في تلك القصيدة: إني ألمح آثار أقدامٍ على قلبي‚ ويقول في قصيدة (الخطوات الذهبية): آه كم أودّ أن أكون عبداً حقيقيّاً/ بلا حُبّ ولا مال ولا وطن‚ وفي العدد الثاني من العام الثاني لمجلة (شعر) (ربيع 1958) ينشر الماغوط قصيدته (القتل) وفيها يقول: ‚‚‚ ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ نجد أنفسنا في نصوص الماغوط أمام كهرباء تهزّ الكيان بكامله وهي جديدة‚ كاسرة (وإن مكسورة)‚ غير طالعة من مناطق ثقافية أو قراءات سابقة‚ بل منبثقة مثل نبع مفاجئ في دَغَل‚‚‚ وتحمل في أحشائها موسيقاها البكر العظيمة‚ لذلك لا يمكن أن يكون تجاهها سؤال: أين الوزن والقافية؟ لم يستطع أحد أن يطرح على الماغوط أسئلة حول شعريّة نصوصه‚ فهي قصائد بقوتها الداخلية‚ كما أنّ قراءتها لا تذكرنا بنصوص أخرى مشابهة في الشعر الغربي (الفرنسي أو الأميركي/ الإنجليزي) أو في الشعر العربي ‚‚‚ ولا ريب في إنها تكوّنت في سويداء صاحبها من تجربة حياتيّة قاسية‚ مباشرة‚ وفي أماكن ما قبل اللغة‚ قائمة في رعونة التجربة‚ ومتكوّنة في الدم والطمث والوحل ذاته للحياة‚ فانبثقت من هناك كما تنبثق زهرة من الوحل أو الصخر‚ والحليب من دم وطمث الحيوان‚ من هنا أسّس الماغوط لقصيدة النثر العربية‚ ولم يكن يرغب في ذلك نظرياً وثقافيّاً‚‚‚ إذ على نصوصه ستنبني بعد ذلك النظرية‚ كان هو شاعراً بكراً ابن تجربة حياتية بكر‚ هذا مجده‚ نعم: ضَعْ قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ وفي البحث عن الغرفة السوداء (السرية) التي تكوّنت فيها نصوص الماغوط‚ نفترض أنه لا بدّ من أن يكون هذا الجميل‚ الطفل‚ قد انجرح في جماله وفي أصل براءته‚‚‚ لا بُدّ من أن تكون إهانة رعناء قد ضربت قلبه بوحشية‚‚‚ إذْ ما الذي يدفع إنسانا للقول: ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي‚‚‚ سوى العنف الأرعن؟ وحين تضرب الجريمة باب القفص فهي وحش يضرب قفص طائر‚ ثم حين يصدح الخوف كالكروان‚ فأي رعب يشلّ الكائن? أيسدّ أذنيه أم روحه؟ افترضنا ذلك قبل أن يسلمنا الماغوط بعض مفاتيح تجربته‚ على قلّة ما يتكلم به أو يبوح‚‚‚ على قلّة ما يشرح‚ نعرف أنه تعرّض وهو في أوّل صحوة الشباب‚ للسجن‚ حدث ذلك في العام 1955ولم يكن مؤهّلاً حينذاك‚ نفسياً أو جسديّاً لما تعرّض له من هوان وذلّ‚ يقول: (بدلاً من أن أرى السماء‚ رأيت الحذاء‚ حذاء عبدالحميد السرّاج (رئيس المباحث)‚‚‚ نعم رأيت مستقبلي على نعل الشرطي‚ والآن حين أتذكر حفلات التعذيب وأنا في التاسعة عشرة من عمري أتساءل: ما هي تهمتي بالضبط؟ولم أجد إجابة شافية عن هذا السؤال‚ كنت وقتها مجرّد فلاح بسيط لا يعرف من العالم إلاّ حدود قريته فقط كمعرفة الرضيع للحياة ‚‚‚ ولعلّ من فضائل عبدالحميد السرّاج عليّ أنني تعلمت أشياء كثيرة في السجن‚ تعلمت كيف أقول (آه) وذقت طعم العذاب‚ والمثير أنني أنا الذي لم أكمل تعليمي‚ تعلمت كثيراً من السجن والسوط الذي بيد السجّان‚ السجن والسوط كانا معلمي الأوّل‚‚‚ وجامعة العذاب الأبديّة التي تخرّجت منها إنسانا معذّباً‚ خائفاً إلى الأبد) (من حوار معه أجراه خليل صويلح)‚ يضيف الماغوط في الحوار نفسه‚ أنه فرّ من (سجن المزّة) الى بيروت‚ حيث التقى رفاقه في مجلّة (شعر)‚ ويضيف أيضاً كلمتين عن الكتابة (كتبتُ لأنجو)‚ قَدَمُ الشرطي هي التي شكلّت لدى الماغوط سبب هذا الصراخ الوحشي لأشعاره في أروقة الأزمنة العربيّة الحديثة والمعاصرة‚ مثلما شكّلت حزوزُ الحبال على ظهر مكسيم غوركي سبب رواياته‚ ثمة جروح في قلب الإنسان لا تندمل‚ وهي التي تصنع الثورات‚ قصائد الماغوط ثورة مندلعة بلا توقّف‚ ولكنْ نسأل أين؟ سيكون من اللافت أنّ قصائد الماغوط التي طلعت باكراً كالدبابير من وكر سياسي‚ لم تؤثّر في السياسة‚ بل أثّرت في الكتابة‚‚‚ في روح الكتابة التي عاصرته والتي أتت من بعده‚‚‚ فهو الذي طلع من سجن المزّة عام 1955‚ وجاء الى بيروت‚ لم يعد للسجن المادي ثانية‚ ولكنه دخل في سجن آخر أصعب وأمرّ‚ هو سجن الحال العربي‚ وهو سجن رحب استطاع ان يهضم في الماغوط كل أعطابه‚ وأن يصغي بأذن صمّاء‚ لحشرجة روحه وهو يكتب (سأخون وطني)‚‚‚ بل لعلّ الماغوط دَخَل في سجن وجودي أكبر من السجن السياسي‚‚‚ دخل في العزلة المطلقة‚ أخلد للصمت‚ واللاأحد‚ وأدرك أنه‚ كسوداوي تعس‚ عاجز عن إدراك الفرح‚‚‚ رجل ظلمات هو ومصلوب بلا أم تبكي عليه‚‚‚ ويعيش في البرد والوحل وبين المقابر‚ متشرّد في الروح والقدمين‚‚‚ محمد الماغوط رامبو على أنتونان آرتو‚ عربي‚ شريد طويل على امتداد الأنهار العربيّة‚ وصراخٌ في جميع الدهاليز والأقبية السوداء والسجون‚ دمغة أبدية في قاع الهزائم وصرخة (وامعتصماه) على امتداد التاريخ العربي بلا ضفاف لها‚‚‚ بلا أمل‚ أفرك يديّ أحياناً وأقول هو موجود‚ وُجد من يعرّي الجيفة ويكشف الستار عن القبور المغلّفة بالديباج‚ وأشبّهه أحياناً بتماثيل سامي محمّد: بأيدٍ تتمزّق وهي تفتح أبواب السجون‚ أو ترفع صخوراً فوقها صخور‚‚‚ وربما ظهر لي أحياناً متجسداً في الصرخة لمونخ‚ على صورة رجل خائف ضعيف بفم مفتوح على مصراعيه‚ جالس الى خطي حديد‚ يمرّ عليهما قطار جامح‚ نعم إنّ محمد الماغوط هو هو الصرخة‚ وتتبعتُ الصرخة من أوّلها‚ من أصلها‚ وسألت نفسي: ألهذا الحدّ‚ استطاعت قدم شرطي في سجن أن توقظ هذا المجد الهائل؟ الماغوط يعتقد انه بلا مجد ولا أوسمة‚‚‚ متسكع أبدي على الأرصفة‚‚‚ آخر الجالسين في المقاعد‚‚‚ حسناً هذا هو مجد اللامجد لدى الماغوط‚ وتبعته من أولى قصائده حتى مجاميعه حتى صمته وانطوائه في العدم المطلق‚ تبعته كما تبع هنري ميلر آرتور رمبو‚ خطوة خطوة‚ شممت رائحة حريق الكلمات فتبعتها‚ كان ذلك في صيف وخريف 1958 في مجلة (شعر)‚‚‚ يتدمّر الماغوط ويدمّر الشعر وخزاً بالذنب أمام لبنان الذي يحترق:


سئمتك أيها الشعر/


أيها الجيفة الخالدة/


لبنان يحترق


يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء


وأنا أبحث عن فتاة سمينة أحتكّ بها في حافلة


عن رجل بدويّ الملامح أصرعه في مكانٍ ما


‚‚‚‚ عندما أفكّر‚‚‚ ببلادٍ خرساء


تأكل وتضاجع من أذنيها


أستطيع أن أضحك حتى يسيل الدم من شفتيّ‚‚‚ أيها العرب


يا جبالاً من الطحين واللذّة


يا حقول الرصاص الأعمى


تريدون قصيدة عن فلسطين


عن القمح والدماء‚‚؟


وكان ذلك في ربيع 1959 في (الرجل الميت) حيث يكتمل تشرّد المتشرّد بأدواته:


(أيها الجسور المحطمة في قلبي


أيتها الوحول الصافية كعيون الأطفال


كنا ثلاثة نخترق المدينة كالسرطان


نجلس بين الحقول


ونسعل أمام البواخر


لا وطن لنا ولا أجراس‚‚‚‚

وكان ذلك في شتاء 1960‚ في (سماء الحبر الجرداء (حيث يخبّ الماغوط كحصان تحت المطر‚ وثلاثة رماحٍ في قلبه‚ وتبعته في غيبته وعودته وتقلّب أحواله‚ نادراً ما كان يظهر لي الماغوط كقمر مكتمل في سماء زرقاء‚ لم يكن مكتملاً ولا واضحاً‚ كان دائماً معصوب الجبين ملطّخ الوجه بغيوم داكنة‚ يغيب ويعود‚ ولكنه دائماً يزفر‚ يئن كحصان مريض‚ وحين افتقدته في خريف 1968 في مجلّة (شعر)‚ وجدت ألن غنسبرغ‚ ينفث في وجه أميركا كلماته ويقول:


أميركا


أعطيتك كل شيء


والآن أنا لا شيء


أميركا


دولاران وسبعة وعشرون سنتاً يناير 1956‚‚‚


أميركا: اذهبي فضاجعي نفسك بقنبلتِكِ الذريّة‚‚‚


أميركا: لماذا مكتباتك مملوءة بالدمع‚‚‚


أميركا إنني قصير النظر ومختلّ عقلياً على أية حال.

عن جريدة ( الحياة ) اللندنية

هكذا يحشو الماغوط مسدسه بالدموع

هكذا يحشو الماغوط مسدسه بالدموع

ممدوح عدوان عن الشاعر الانفجاري


بمناسبة صدور مختارات شعرية للشاعر السوري الكبير محمد الماغوط ضمن العدد الأخير من "كتاب الى جريدة" أقامت مؤسسة تشرين السورية حفل تكريم للشاعر بحضور وزير الإعلام عدنان عمران. "الأهرام العربي" تنشر نص الشهادة التي ألقاها الشاعر ممدوح عدوان بهذه المناسبة.


حين أردت أن أكتب هذه الكلمة لتقديم محمد الماغوط لم أحتج الى إعادة قراءته. اكتشفت أنه موجود في ضميري الذي أخاف منه، تسربت كلمات له كانت مروعة من وجداني فذكرتني بحقي الذي منحني إياه منذ طفولتي في الاعتراف بالخوف والذل والكبت.


يم يظهر محمد الماغوط صوتاً في المشهد الشعري العربي في الخمسينيات، بل انفجر فيه قنبلة فراغية، ومنذ أصواته الأولى كان شاعراً فاجراً ومنفجراً.


هذا الرجل الذي لم يهتم بوزن ولا قافية ولا آداب ولا شعائر سياسية، رأى نفسه مشرداً وجائعاً وخائفاً فعرف ببداهة الإنسان الأول أن العالم متآمر عليه، ولذلك فإن مؤامرة أخرى في هذه الدنيا الخادعة لم تكن تصلح لإلهائه عن مجابهة تلك المؤامرة الكونية.


ولأنه لا يخجل من دموعه ومن هزائمه ومن الاعتراف بإذلال العالم له، فقد علمنا أن الاعتراف بهذا الذل هو النصر الوحيد الذي بقي لأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم.


ولذلك لم أحس يوماً أنني أقرأ الماغوط، بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يقيم اعتباراً لشيء. وكلما كنت أقرأ الماغوط كنت أحس أن هذا الرجل يتغلغل الى أعماق روحي ليجبرني على الاعتراف بالوضاعة التي أوصلني إليها هذا العالم الذي أعيش فيه.


هو ذا شخص وحيد في الدنيا يعلن أنه يحشو مسدسه بالدموع. وينتهي الى أن يأكل النساء بالملاعق، ولا يرى فرصة للعنان إلا أن يضع ملاءة على شارة مرور ليناديها: يا أمي، ويأمر الغيوم بالانصراف لأن أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحول.


وفيما نحن نرى التبجج بالقوة الكاذبة، هو ذا شخص يعلمنا أن نحب ضعفنا وأمام الانتصارات الإعلامية الخلبية، يعلمنا أن نعتز بهزائمنا، وأما المراحل الوهمية يعلمنا أننا في حاجة الى البكاء، وأمام الانتماءات الضيقة يعلمنا أننا نملك الحق في أن نطالب أوطاننا بأن تعيد لنا الأغاني والدروع وكل فاصلة في أناشيد حبنا لهذه الأوطان قبل أن تطردنا من جحيمها.


ذات يوم كتب صديقي الشاعر علي كنعان: "سيكفي جبهة التاريخ من أمجادنا أن هُزمنا"، وأقول اليوم باعتزاز: سيكفي "حماسة" العرب الشعرية المعاصرة أن تحتويى على تلك الهزائم الوجدانية التي اعترف بها محمد الماغوط والتي تبدأ من هزائم الجبهات الى عزائم الروح، ومن خسارة الأرض الى خسارة الكرامة، ومن الفجيعة بالحكام الى الفجيعة بالأهل، ومن الحاجة الى اللقمة الى الحاجة للدفء، ومن الحاجة اليتيمة للأم الى الحاجة الشيقة للمرأة التي نتفرز بين نهديها كالصئبان. لقد هجا محمد الماغوط وطنه وهو يمزق ملابسه كأية أرملة، أو أن ثاكلة مفجوعة وأعلن عن رغبته في خيانة وطنه. ولكنني كنت أفهم المجاز الذي يشويه غضبه على ناره الهادئة، ولم أصدق يوماً إلا وصفه للرجل المائل الذي يقصد به نفسه، والذي يتشرد متأبطاً كتبه ووطنه.


محمد الماغوط لا يُقدم في أمسية تكريمية، ولا يقدم بكتابه المطبوع، بل يحق لمن يتورط في الإعلان عن ظهور شعره أن يطلق صفارة الإنذار، فها هنا غارة شعرية على ضمائرنا وعلى كل ما تعودناه من كذب ومكابرة وادعاء، إنني لا أقدم لكم شاعراً بل أطلق بينكم قنبلة انتُزع صمام أمانها.


إذا قرأ محمد الماغوط شعراً، أو إذا تورطتم باقتناء ديوان له، فانزلوا الى الملاجئ الأخلاقية التي تعودتموها، البسوا الكمامات الواقية من الصدق الجارح وتسلحوا بالمكيفات الإعلامية التي تعودتم على تهدئتها وتخديرها.


ولكنني أقول لكم إنها لن تنفعكم، ما من ملجأ يحميكم من هذا الاعتراف الشعري الجامع بأوبئتكم، طالما أنكم قد تورطتم بسماعه أو قراءته.


وأرجو أن أحذركم الى أنكم قد ترونه الآن رجلاً ضعيفاً يستند عكاز، هذا ليس رجلاً تقدم به العمر، بل هو رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع وتخمرت في أعماقه الدموع الحبيسة، وتعتقت في روحه الآهات التي لم يسمعها أحد.


وأحذركم أيضاً أن القنبلة التي يبدو غلافها صدئاً هي انفجاراته بالمقدار الذي كانت عليه دائماً.


وهو أيضاً تلك المرأة التي أهملناها قليلاً، ويكفي أن نفتح آذاننا وضمائرنا ليتساقط عنها الغبار ونرى أنفسنا فيها على حقيقتها.


لقد استطاع محمد الماغوط أن يحرجنا ويجرحنا بشعره لأنه ظل قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كأنه، طفل لا يندهش من الجمال ويفرح به فقط، بل يشمئز من القبح ويبكي من الظلم.


لقد صرخ منذ البداية: ألا ترون كم هو العالم فظيع وعفن ونتن كم هو غير لائق بمعيشة البشر؟ كم يثير من القهر والغضب والبكاء؟


احتقان كهذا لا يعرف كيف يقلم أظافره ليليق بأجواء الشرف العربي، ولا كيف يلبس الياقة والقفاز ليصلح لصالونات الأناقة الثقافية، فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً مشعثاً رثاً كما لو أنه ما يزال يلعب في وحل الحارة، ولم يهتم لملابسه المتسخة وقدميه الموحلتين، لم يهتم من نفور أبناء الصالونات أو الداعين أو استتباب الأمن في استعراضات الأناقة الفعلية والبروتوكوليا: ببساطة قال لهم: لم أجلب الوحل من بيت أبي، ولم أتسخ في حضن أمي، ولم يكن البكاء هوايتي، ولا الجوع رياضة أمارسها.


عالمكم وسخ وموحل ولعين وموحش، ولست معنياً بتنظيف نفسي أو حتى أسناني لكي أساعدكم على التهرب من مسؤولياتكم عن وسخ عالمكم.


معاناة اليتم والغربة والجوع والتشرد والكبت، وحب الوطن والنساء والحرية والتسكع والتدخين والشراء، والمجاهرة بالرأي في الكتابة وتعرية العالم الذي يحيط به كل صباح. . هذه هي حدود ملكوت محمد الماغوط وهي حدود عذاباته ذاتها.


لم يكتب من قارءته أو تأملاته بل كتب من زعيق بطنه الخاوية وارتجاف أعصابه الخائفة.


وهكذا راح يكتب دون أن يهتم بتسمية ما يكتبه، حتى أنه ذات يوم خاف من أن يكون الذين يسمون كتابته شعراً يقصدون السخرية منه والضحك عليه، فشتمهم في مجلة أدبية رائجة، ولكنه استمر ------ أظافره المتسخة على الحيطان ويكتب بهذه الأظافر، فيثير الصرير والغبار لترتجف منه العظام وترمد العيون.


وليصبح واحداً من أهم الشعراء العرب، شعر؟ فليكن، يقول الماغوط، ابحثوا أنتم إذاً عن قوانين لما أكتب ولا تطبقوا على قوانين كتابتكم.


إن صدور مجموعته الكاملة، أو صدور هذه المختارات في "كتاب في جريدة" حدث مهيب، وإرهاق سادي إذ من سيطيق أن يغامر بقراءة عذابات عمر الماغوط كلها دفعة واحدة؟ كم تستغرق منك قراءة المجموعة ؟ يوماً؟ شهراً؟ سنة؟ تصور أنك ستتحمل في مدة قصيرة كهذه عذابات رجل كان يتألم عن أمة كاملة وطوال جيل كامل، وقد ظلت روحه تئن تحت هذه العذابات طوال هذا العمر المرير. . حتى نخخت قلبه وجسده.


ونحن إذ نختار أن نقرأ شعره فإننا نجيء الى مخبر التحليل بأنفسنا، والشاعر المخبري المحلل سيقدم لنا تقريره ليقول لنا إننا مصابون بفقدان المناعة الأخلاقية والوجدانية والسياسية والوطنية، وإننا مصابون بالشلل الوطني وبسرطان الجبن والتخلي والتخاذل.


اقرأ دفعة واحدة إذا رغبت، ولكن احذر القرحة . . والرقابة فهذا من الشعر النادر الذي يحمل قارئه مسؤولية القراءة بمقدار ما حملها كاتبها حين كتب.


ولكن الماغوط، ولأنه مؤدب بآداب الشعر المتصعلك العظيم المقهور الرجيم المضمخ بالنزيف، سيوهمنا أنه لا يتكلم إلا عن نفسه وعن آلامه.


ولكن دققوا قليلاً، وستكتشفون أنه يحكي عنا جميعاً. . .

عن الأهرام العربي- الأحد 1 كانون الأول 2002

لماذا نحترم الماغوط؟

عبد الرحيم الخصار
(المغرب)

محمد الماعوذإذا فتحت الألبوم الحديث للشعرية العربية ستجد صورا صغيرة لا تكاد تحصي، بعضها واضح و البعض الآخر يغطيه السديم، وأنت تقلب عشرات الصفحات يمكنك من حين لآخر أن تصادف صورا من الحجم الكبير، سيبدو لك السياب نحيفا بابتسامته الجانبية الشهيرة داخل إطار كبير لا يحاكيه سوي إطار نازك والبياتي، ستبدو لك فيما بعد صورة أدونيس بعينيه الدائريتين اللتين يتقافز منهما الطموح، صورة أدونيس أيضا كبيرة، لكن يعتريها الغموض، ثمة صور عديدة لشعراء من القرن الماضي تركوا أنفاسهم تسري في هذا الجسد الغريب الذي نسميه: الشعر.

هؤلاء الشعراء لا تتزايد درجات محبتهم لدي القراء بتزايد عدد دواوينهم أو عدد المهرجانات التي حضروها، بل تتزايد بعدد الآثار التي يخلفونها في نفس من يقرأهم.إنهم شعراء بسيطون كالماء واضحون كطلقة مسدس علي حد تعبير الشاعر رياض الصالح الحسين، ليس أولهم خليل حاوي الذي مات منتحرا بلبنان، ولا حسب الشيخ جعفر المنسي هناك، وليس أوسطهم عبد الله راجع أو إبراهيم نصر الله أو عدنان الصائغ، وليس آجرهم لقمان ديركي بسورية أو أحمد بركات بالمغرب.

الكتابات المتميزة كالنقوش العتيقة تقاوم الزمن وتبقي خالدة علي الأحجار والجدران وحتى في المغارات والكهوف، النصوص العميقة تجد القارئ العميق حتى في الأدغال، ألم يقل الشاعر عبد اللطيف اللعبي: ثمة كاسر يقرأني ؟

هذه الجمل المتعاقبة هي تمهيد للحديث عن صاحب واحدة من الصور الكبيرة داخل الألبوم الحديث للشعرية العربية، فالذين جايلوا الماغوط والذين وصلوا إلي أرض الشعر بعده أكنوا له احتراما هائلا ومحبة شاسعة.

منذ النصف الأخير من القرن الماضي وإلي حدود السنة الثالثة من الألفية الجديدة ظل الماغوط في أعين القراء هو الماغوط، لم تتغير ملامحه ـ فقط ظهرت عليه علامات الشيخوخة ـ فمواقفه هي مواقفه: تمرده، احتجاجه، وسخطه، عزلته وخوفه وريبته ووساوسه مازال محمد الماغوط يشبه صورته القديمة، ما زال كما تجلي في بداياته، لم يغادر خندقه الأول، إذ ظل متمرسا بأدواته نفسها وبمعجمه الهجائي وبنبرته الجارحة، لم تغيره الشهرة ولا الاستقرار، بل ازداد ضراوة وضجرا، كأنه لم يغادر الغرفة التي شهدت آلامه وأوجاعه الأولي، كأنه غير قادر علي التنكر لأيام التشرد والتسكع والخواء ـ 1ـ

ربما ميزة الشعراء الكبار، في الغالب، أن يعيشوا الحرمان والبؤس والمرارة، فالماغوط ينتمي إلي عائلة شعرية كانت تفترش الألم وتتغطي بالتعاسة، الفقر بيتها الشاسع والجوع رفيقها البدي، فآرثر رامبو وجان جينيه وادغار آلان بو آباؤه، أما إخوانه وأبناؤه وحفدته فهم كثيرون داخل الوطن العربي وخارجه:

أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف
ولكنني أحب الرصيف أكثر

أحب النظافة والاستحمام
والعتبات الصقيلة وورق الجدران
ولكني أحب الوحول أكثر.

ـ شوارد الدم ـ

كانت حياة الماغوط قاسية، مغلفة بالفقر والشتات والحزن، ثم إن تجربة السجن قبل بلوغه العشرين غيرته بشكل جلي من مجرد فلاح بسيط إلي كائن آخر يسكنه الرعب وتتقاذفه الكوابيس السجن والسوط كانا معلمي الأول، وجامعة العذاب الأبدية التي تخرجت منها، إنسانا معذبا، خائفا علي الأبد ہ في حوار جريء مع بول شاؤول طلب منه الإدلاء برأيه في بعض الشعراء فقال عن أدونيس: لا يعنيني، وعن أنسي الحاج: شاعر، وعن الماغوط: شاعر كبير. لم يكن موقف شاؤول مجانيا، بل كان مبنيا علي خبرة كبيرة بالشعر ومحيطه، ثم إنه رأي أجيال متعاقبة. والحقيقة أن صورة الماغوط أصبحت تتسع شيئا فشيئا ـ مع تعاقب الأجيال ـ حتى بدأت تغطي صور أسماء كبيرة داخل الألبوم: أدونيس مثلا، يوسف الخال، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا...كأن حركة شعر الرائدة لم تنتج، في العمق وفي الجوهر، سوي الماغوط، رغم أن جسده الشعري كان أضخم بكثير من الحيز الذي كان يشغله في غرفة شعر ثم إنه لم يكن يتبنى الخيار الأيديولوجي الذي كان يتبناه زملاؤه، فقط كان يتبنى خياره الشعري لم يكن الماغوط من الأساس معنيا بتلك الأيديولوجيات يسارها ويمينها.. كان أكثر حدية ومزاجية وأكثر ميلا إلي التحرر من أعباء تلك المعايير الناجزة في السلوك والشعر

****

يقول الماغوط عن تلك التجربة: كان أفراد جماعة شعر يكتبون في المطلق، أنا حاولت أن أسحبهم إلي الأرض، لكني بقيت طارئا مثل ضيف علي طرف المائدة، وافترقنا لأني شاعر أزقة ولست شاعر قصور.

لم يكن الماغوط في حاجة إلي شهرة تشد نظر العابرين إليه، ولم يكن يبحث عن عظمة وهمية مثل أقرانه بقدر ما كان يبحث عن لقمة يضعها في فمه:

الجوع ينبض في أحشائي كالجنين.

ـ نجوم ومطر ـ

كان يطالب بحقه في الحياة، ثم إنه شاعر وعلى هاته السماء الغامضة التي يسمونها الوطن أن تحمي شعراءها كي يواصلوا ما كانوا قد بدأوه:

هذا الفم الذي يصنع الشعر واللذة
يجب أن يأكل يا وطني
هذه الأصابع النحيلة البيضاء
يجب
أن ترتعش
أن تنسج حبالا من الخبز والمطر

ـ جفاف النهر ـ

إذا عدنا إلي التاريخ الشخصي للماغوط فهو من مواليد 1934 بمدينة السلمية السورية، زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح، آثار أقدامه لا تزال في دمشق وبيروت، متسكع كبير تعرفه كل الأرصفة والأقبية والحدائق العامة وكل الصالونات والفنادق والمقاهي والصحف ودور النشر، وكل الكتاب والرسامين والصحفيين وعمال المقاهي وشرطة المرور والسجانين وقطاع الطرق وكل النساء اللاتي أحبهن أواللاتي نظرن باستعلاء إلي مظهره الريفي البائس واخترن مجالسة غيره

****

لكن إذا بحثنا في تاريخه الشعري سنجده أقوى وأعنف:

أنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال
ـ تبغ وأسمال ـ

أنا مزمار الشتاء البارد
ووردة العار الكبيرة
تحت ورق السنديان الحزين
ـ الرجل الميت ـ

أنا فقير يا جميلة
حياتي حبر ومغلفات وليل بلا نجوم
شبابي بارد كالوحل
عتيق كالطفولة
ـ تبغ وشوارع ـ

كان الماغوط يحب أن يضع الوطن فوق كرسي المساءلة بدل الاحتفال المجاني به والإفراط في تزيين وجهه بالمساحيق بغية جمال وهمي، كانت علاقته بالوطن معقدة وعنيفة لاشيء يشرحها سوي هذا المقطع:

لاشيء يربطني بهذه المروج
سوي النسيم الذي تنشقته صدفة فيما مضي
ولكن من يلمس زهرة فيها
يلمس قلبي.
ـ مقهى في بيروت ـ

إننا نحترم الماغوط لأنه من القلائل الذين سبحوا ضد التيار العتيق أعذبه أكذبه فلم يكن يكتب سوي حياته وحياة أشباهه ن لم يغبر جلده، ولم يلهث خلف البريق، حتى في كتاباته كان صافيا إلي درجة التكدر المطلق، لم يستعر معطفا من أحد، وإنما وضع أسماله علي الورق، لا يمكن أن نصنف نصوصه ضمن إطار البوح والتشظي والاحتراق.. وما إلي ذلك من الكلمات التي تبدو سطحية وهجينة ومبتذلة أمام عمق وقوة ما يكتب، لم يكن الماغوط في حاجة إلي المعاجم القديمة لترقيع نصوصه بألفاظ تحط من قيمة النص وتقتله أكثر مما تحييه، فهو علي عكس أقرانه وعكس زخم هائل من الذين دخلوا إلي غرفة الكتابة سواء من الباب أو النافذة كان يكره التشدق في اللغة، لم يكن يتوسل الكلمات التي تموت بمجرد أن تغادر الشفتين، بقدر ما كان يرسل في أنينه الدائب كلمات تستعيد حياتها أكثر كلما احتكت بالهواء.

أبدع الماغوط في كتابة الشعر (حزن في ضوء القمرـ غرفة بملايين الجدران ـ الفرح ليس مهنتي(.). والمسرح (العصفور الأحدب ـ المهرج ـ ضيعة تشرين ـ الغربة ـ كأسك يا وطن..). والرواية(الأرجوحة) والسينما (الحدود ـ التقرير) والمسلسلات التلفزيونية ـ (حكايا الليل وين الغلط)، وبالقدر ذاته أبدع في صناعة عالمه الشاسـع يحده من الشـــرق الحزن ومن الغرب العــــزلة العزلة خليلتي، لا أحب أن أقابل أحدا، أحب الوحدة وأحب الصمـت وأشعر بالارتباك بوجود الآخرين أنا إنسان سوداوي وتعيــس، لم أعرف الفرح طول عمري فقد عشت في البرد والوحل وبين المقابر، وإلي اليوم أحس أنني متشرد في الروح والقدمين، عالمي هو الكتابة، أنا خارج دفاتري أضيع، دفاتري وطني.

يبدو في النهاية أننا سنكون أشد إجحافا في حق الماغوط إذا صنفناه ضمن جيل الخمسينيات، فهو ربما يسبق بنصوصه المتفردة أيضا أجيالا راهنة وأخري لم تولد بعد، إذا أردنا أن نحسم الأمر فالماغوط ينتمي إلي جيل ودع الشمس باكرا وأيقن أنها لن تعود في الغد.

هوامش:

  1. زوايا، العدد 3، ديسمبر 2002
  2. سيف الرحبي، نزوي، العدد 31، تموز (يوليو) 2002
  3. علي عبد الكريم محمد الماغوط: حطاب الأشجار العالية كتاب في جريدة، العدد 60، جريدة الصباح المغربية.
    من حوار مع الماغوط، أ جراه خليل صويلح، زوايا، العدد 3

القدس العربي -2003/09/24

Saturday, July 18, 2009

الغريب حتى النهاية

عادل محمود


(سوريا)

لم يستطع غريب في هذا الحجم، أن يكون غريبآ حتى النهاية، مثل شاعر اسمه محمد الماغوط. فمنذ البداية أرشد الماغوط قارئه الى مصيرهما معآ، في وطن لا يعفو لكي يغفر، بل ليخفف زحمة العبودية. الماغوط رأى، من أول لحظة تعرض لها في الخمسينات، أن العربي ليس (اكم!) لبلده (قانونيا المواطنة) بل هو عنصر في (شركة) في حجم وطن يديرها حكام، قوادون أحيانا. فتعزف الى الغربة:

لا امرأة لي، لا عقيدة/ لا مقهى، لا شتاء/ ضمني بقوة يا لبنان/ ثمانية شهور وأنا المس تجاعيد الارض والليل/ اسمع رنين المركبة الذليلة/ والثلج يتراكم على معطفي وحواجبي./ فالتراب حزين والألم يومض كالنسر/.

وقد صارت الغربة في داخله أصيلة لان الاسوأ كان على العتبة دائما.، بتأصلها راح الماغوط يضع شعره في كل زاوية كبيض خرافي لطائر لا ييأس، بغريزة الديمومة، من فاعلية الحياة. والماغوط، أجد. أهم الشعراء الذين لم تفارق قولهم فكرة الانسان الفرد، الذات، الشخص بوصفه هكذا،وحيدا و ضئيلا ومكتنزآ وقويآ، وكائنأ من كان. الانسان عند الماغوط ذات محترمة ما دامت الحياة قد (أثفت) فيه روحآ ينبعث منها الأنين والزغاريد. وباستنكاره الحار والدائم لما يحدث له على أيد غاشمة أو مصادفات رديئة، دافع الماغوط وبقوة، عن الافتراض الصريح لجمال الحياة، عن الحق في أن تكون الحرية لا الجريمة هى الراية التي تظلل خيارا انسانيآ في بقعة من الأرض. ولقد ظل الماغوط شاعرا، (فيآل! ذه بى) الفكرة (مختفيا) فى مختبره، المتقشف، الحاد الأحماض، قصيدة إثر قصيدة، غير عابئ (ال!بنثر) الحياة في شعر ليسمى لاحقآ قصيدة النثر.، لعل الماغوط، بسبب من حدته، حدته،، ايضأ بسبب الماغوط، اقفآ الى اليسار، مع، (فاق الختوة) في ثياب البحر .!

الإصرار على قيمة وحيدة عليا، لم يستأنف مسيرته الشعرية. كأنما اكتفى بقول ما قيل. فللدهشة، للأمل، لليأس، للحب، للشغف بالجمال حدود، في نهايتها يقف الشاعر راثيآ أنقاض مملكة...، حسب. إن- الماغوط علامة أسف وحزن ورثاء في عصر عربي (تقشف) في هويته حتى كاد أن يخرج من العصر بلا هوية.

***********

جرح فاغر على رصيف دمشق

أكرم قطريب


سوريا/نيويورك

الكتاب الذي استعرته آنذاك من مكتبة المجلس الأعلى في مدينتي السلمية، كنت أضعه تحت الوسادة قبل أن أنام. كتاب بغلاف رمادي، أتذكر منه ورقه الأصفر محمولا بملامح بشر هائمة على وجهها ونداءآت وعذابات مضمرة، ومشاهد متلاشية لريح تنبعث من الشرق لا تنام... فلا أنام: "الفرح ليس مهنتي" بعد أسابيع أعدته.


كان الزمن صيفاً.، بقيت المسافة التي تفصلني الآن عن سبعة عشر عاماً من عمر قصيدة بقيت مدوية في داخلي، محمومة، غريبة. مسافة بقدر ما رممت روحي المضطربة آنذاك، فيها ما أحتاجه أو أكونه، ألآن، ا، ألشعيره: صدقها الوحشي. بدا الحزن لدى الماغوط مثل نوجٌ سيمري مكتوب على لوح قديم، وإصحاح رعب لا ينتهي. حزنه الذي لا حسب له ولا نسب كان ملجأه المخضل. لم تفارقه نبرته الكربلائية، متعباً، متعترا ينطوي في لحم قصائده المفردة كتغريبة هلالية معاصرة انتهى بها المكان الى جنة الدم و الهزائم، اللعنات. المارد الذي قلب طاولة الشعر العربي يتكئ الآن وراء نافدة مغبشة لم في مخ!ى!ا رصيف الشام !1 محنياً على أيامه البيضاء المنكوبة، على الجهات كأنه يسافر في قطار الشرق السريع مثل شخصيات أغاثا كريستى الغامضة، 1، كنصب لرودان يكاد أن يتحرك. قبعته تحمي ما يفضح الأيام، العمر الذي لم يبق منه سوى عكاز يميل مع ظله الذاهب الى البيت. الذي كان يقطع على قدميه مسافات دمشق كلها، كأنه يدخن، يكتفي الآن بمتابعة أخبار الحاضرة العربية السعيدة بأمهات معاركها الخاسرة، الحاضرة التي ما زالت محمولة على ظهور الجمال، كخيول البسوس، صليل الميكر، فوتات، قصائد المهلهل، هو يستمع الى أغنية ناظم الغزالي: عيرتني بالشيب وهو وقار !!. ما الذي بقي من الماغوط الذي وضع الشعر، في أيامه، على مفترق طرق، ثم أدار له ظهره الى غير رجعة إلا في قصيدة متأخرة نسبياً "سياف الزهور"، التي بدت امتداداً أفقيا، استعادياً لكل ما كتبه سابقأً، سواء في "حزن في ضوء القمر" أو "غرفة بملايين الجدران" الى "الفرح ليس مهنتي". أقول استعادياً لأنه في هذه القصيدة أكمل دائرة سبق أن اكتملت، حتى في مقالاته، التي سماها رياض نجيب الريس "مسرحاً شعرياً"، نجد فيها الصدى الملتبس لمقالات آسرة، حارة كانت كتبت على صفحات قديمة انضافت إليها آثار حطام شخصي، شعور أعمق بالوحشة. ظل الماغوط الشاعر المجروح بحق، المأسور الى غلالة الحرية، هذياناتها التي لا تفارقه مثلما لم تفارقه علبة السجائر، زجاجة الى "بلاك ليبل"، غيوم حياته لما تزل نائمة على درج البيت في انتظار أن يستيقظ ليأخذها في نزهة الى مقهى (أبو شفيق) على طريق دمّر، أو الى شبح سنية صالح الذي خيم فيه ولم يتركه، أو هناك الى أقصى ما يمكن الحديث عنه حيث الزمان و المكان في أوجهنا، كانت عيناه، خلسة، تسترقان النظر الى ماض ليس قريباً تلامحت فيه وجوه مائلة في إطار خشبي مكسور، وتواريخ مربوطة بخيط التيه شاءت أن تبقى كما هي، لكن بغيابات كثيرة، محمولة في اسانسير الله نحو السماء الثامنة، وشراشف ملائكية، أو أصيص، نول، خيطان مشدودة، تماماً، قرب الإطار الخشبي المكسور نفسه، الذي بدا فيه بدر شاكر السياب (ضيف بيروت آنذاك)، توفيق صايغ، ثم يوسف الخال الذي حمل نظرية الشعر الحديث معه الى الجنة، كما لو أن يشاهد شروق الشمس من شرفة منخفضة في الربع الخالي. سواحل وقاراتمن الدموع نبشها، صاغها في أيقونة مشرقية لمتاحف أعمارنا المنصوبة تشبه الصفعة التي لا تنسى. ما الذي بقي من محمد الماغوط؟ عزلته، كيان يفلت بعيداً عن الزحام، في جيبه صورة عائلية له، لسنية، شام، سلافة، حتى لتظن أنه يحمل سحنة ماورائية، كأنه في طريقه الى موعد غامض، معه كلمة سر. بكامل هيئته، جرح فاغر على رصيف دمشق. ولكي تراه عليك أن تلتفت الى سنواته السبعين، مسودات عمره، منفرداً في شارع في مدينته الحجري باحثاً عن طفولة ضائعة في الاقنية الرومانية، سهوب القمح المشتعلة في حزيران. اصدقاؤه أمام العين كلفحة البرد تاركينه يصطك، يرتجف في كلاء البيت القديم، أمام عريشة الكنب اليابسة، ضحكة أمه المدفونة في الجدار ذكرى دمعة لا تنسى. مسبحة أبيه نجوم منفرطة، منذ زمان، مطفأة في خزانة الغرفة الترابية. صوته، لطالما هو هنا، سليل وحشة، يمزجها، يومض أج!ثن من دون ان يرى لمعان السطوح الماثلة تحت المطر. ما أغواه حينذاك أنه كان يقيم داخل اللغة وداخل الحياة معاً: لغة منخلتة، متعطشة، عارية، مضطربة لكثرة ما هي ناصعة، حادة، ترتسم بقدرتها على التخفف من عبء اختزال صوتها الهادر، فاتحة شبابيكها الموصودة لصواء (نثي، أ حاز،، بئهر). لم يتنفسها من الهواء الفاسد وحسب، بل عقد قرانها مع ينالميعه المركونة في دمه، مرة، واحدة، مثل من يرمي بنفسه من دور عال، أو يميل على فوهة بركان خامد.، داخ!م لحياة ا لأنه حملها الى ا، راقه، حبره كما يرجن معطفه " أعلى كتفيه، ويلبس على عجل، كنزته الزرقاء. هو، على قول انسي الحاج في "الناقد"، شباط 1993، "عبقري صورة، لا يجاريه أحد، خصوصاً في التشبيه. خياله مطبوع بعقله الباطن.، عقله الباطن خزان كبير من الألم، الحرمان، الرغبات الرائعة". انتفاض الصورة لديه أشبه بطائر مذبوح، لكن بشكل غير كامل: يتخبط في دمه، شرايينه المقطوعة. صورة تربض بحاسة نفاها جوار أنفاسها المتقطعة، كأنها من لحم، دم مهتوك. هي حول عوالمه الأرضية، مقطع حقوله الصفراء نصف المعتمة. ترفل لا متناهية، غير مكتملة. تاريخ أيامه، جروحه، تركها كما هي، بلهجته السحيقة تبين رائحة النار، الملاءات الممزقة من نايات فجر مصاب، بقايا وحل، رياح، مزاريب صدئة.


شعريته، وان بدت الآن بعيدة، مفضوحة، إلا أن أهميتها تبدو من مقاربة أثرها، الذي تحول الى زمن قوي وسحري داخل تاريخ القصيدة العربية، بحنين دفين والتماس لا يضاهى يغرياننا كي نكتشف واحداً من أسلافنا المعاصرين، يحيا بيننا، شاماناً شعرياً تستعيد روحه بلغة أخرى ومفارقة.

*****

نحن ضيوفك أيها الماغوط

عقل العويط


(لبنان)

بأي لغة أحتفي بشاعر من طراز محمد الماغوط؟ بشاعر كهذا الشاعر "البدائي"، المكتمل اللغة منذ البداية، ذي الموهبة الرائية، العارفة كعيني الصقر، والجارحة كطعم العسل المكثف، والحقيقية كصرخة اللحم الحي، والمغدقة بدون حساب وقواعد والمنبجسة انبجاساً، والنازفة كما الينبوع الذي ينادم لياليه، ضائقاً ذرعاً بكتماناته وبانتظارات الباطن، إلى أن يحل عليه فجر الخروج إلى سيولة اللذة والشبق!


لا أدري بأي لغة أقترب من شاعر كهذا الشاعر البدوي المقامر الذي يبذل روحه برمتها على الطاولة، كثروة لا ضرورة لها، وتواً، ودفعة واحدة بلا تمهيد ومقدمات، مضافة الى حياته التي يريقها إراقة من يتلذذ بمشاهدة أيامه مسفوحة بكامل همجيتها وحواسها ونزقها وهوسها وضحكتها الساخرة، مرارتها السوداء!


لا أدري بأي لغة أقترب من شاعر، كهذا الوحش البري، الآتي من أدغاله، أعاليه الى المدن والأوطان، بكامل فؤاده وجلافته وبربريته العذبة، ومعه لغة جمة ذات صور مذهلة لا تحتاج الى براهين كي تخترق، تمتلك، تأسر، بل تنتظر بالتنهدات والرغبات المكبوتة! ولا أدري أيضا وراء أي ذهول يحتمي القارئ عندما يقرأ شاعرا كهذا الشاعر المرصود لغرائزه القصوى، والمحقون بعواصفه، والمبدد بين نيازكه وغيومه ومبتسما كرجل ميت، نازلا كسيول جارفة، كجبال تمنحها براكينها أن تسيل بلا انتباه. كجحيم مفتوحة على لمناتها من دوت أن ترعوي أو تكف أو تتراجع لحظة الى الوراء في ارتدادة أو في إعادة نظر! فأي شاعر هو هذا الشاعر، لا تحول دونه حافات، هاويات، ولا يبالى بتنكيل الهواجس ولا بهول ما يجتمع بين ضلوعه وحنايا فؤاده، مغمضآ عينيه كي لا تفز منه الرؤى، برعونة طفل يرى في لحظة صعق واحدة، فيهجم بجسده ويديه وجميع حواسه، لينام على النار ويحميها، يحتمي بها، يحتويها ويصير تابعآ لها. ومعه في هذا الهجوم ا!ؤ! شهي، قلبه الجريح الخائن، حدس الطفولة، فطريتها، بداءتها، عبثيتها، سذاجتها، براءتها، شرائط أحلامها، خيالاتها!


يفد محمد الماغوط، هكذا، مدججآ بغاباته،وعوله، أنهاره كمن يحمل خياله المراق فوق بياض الصفحات شبيهآ بسرب أفراس وخيول . تجمح بالشعر والنثر معا، الى حيث لا حدود ولا حواجز. فهل من لغة تليق بمديحه سوى الاعتراف الذي يؤكد نبوغ الأشياء، اكتنازها بذاتها! شاعر هو محمد الماغوط، كفى. فلا شيء يزاد لتجميل هذه الكلمة أو لتكريمها والترويج لها. فمثله، شاعرا لا يريد شيئا ولا يلوي على شيء. ميزته أن يأتي الى الكلمات مرة واحدة، وفي قصيدة واحدة. صحيح أنه، طبع أكثر من ديوان ومسرحية وأنه لا يزال حتى الآن يشعل حرائقه منثورة، متأججة، صحيح أنها أعمال محمد الماغوط التي صدرت له عن "دار المدى" في عام 1998، في نحيم من 060 صفحة، لكن شاعرا كهذا من صفاته أنه يقول كلمته، بصت. وإذا استعاد تلك الكلمة، فكمن يعيد التذكير بأن قصيدة واحدة تكفي. فهو يدلق سيولة روحه وأثقال كتفيه، كمياه الشتاء أو كثلوج الأعالي، لتتكئ على السطور في أعالي الأنفة والكبرياء، أو لتنزل الى الأعماق وطيات الروح. بل أكاد أقول إنه يحتمل ما يفعل، نباهته الشعرية- الملائ حرفأ شعريآ، نثريآ،، سردآ، بلاغة، كما الملأى عدوانية وشراسة ورقة، جموح تشبيهات، مؤلم وخيال لا يخلو من هول الحكمة الباردة وفظاءتها، بل، من صلف العقل معا. واليوم، بعد اثنين وأربعين عاما على صدور ديوانه الأ ل، "حزن في ضوء القمر" (1959)، لا يزال محمد الماغوط حاضرا بيننا، حتى قعر هجسه وجسدانية لذائذه وأعماق بوهيممته وصرخات ولجلجات أنفاسه، مستخفا بما يراد للشاعر أحيانا أن يكون، كائنا عاقلا، أنيقا في (..-؟-.،هو حاض! في ها كئت أنمذاك)، إذ يكفي أنه كتب ليكون فحسب. فشعره لا يحتاج الى براهين دائمة، متجددة فبرهان واحد يكفي لأنه شاعر تلتهمه روحه ويلتهمها، لتروح تبدد نفسها فوق بياض كريم لا يوازيه في نصاعته إلا بياض كلماته وأنينها، وإن محمولة أحيانا على (تبلي!، توض!يع) وإنشاء، بحبوحة ألفاظ وإضافات وإفاضات. إنه من عهد الينابيع، بياض الفجر، فلا بأس إذا كان شعره هادرآ، فوارآ، هاجمآ بشراسة وحش جريح.


لماذا أتحدث عن محمد الماغوط بهذه اللغة؟ عن هذا الشاعر الذي يقول "عيناي زرقاوان من كثرة ما نظرت الى السماء وبكيت" ؟ عن هذا الذي يصرخ "آه كم أود أن أكون عبدآ حقيقيآ بلا حب ولا مال ولا وطن"؟ عن حارس الليل هذا، عن هذا الطفل الكبير، البدائي، الشرس، العاشق، الرقيق، الشبع، الغريب، المجهول، الساهر، المتسكع!، المسافر، المهرج، المعربد، الشتام، الصارخ، المعترف، السكير، المتشرد، الحزين، اليائس، المدخن، الباحث عن الحرية، العاهر، الحقيقي، العاري، المستشعر لغة اللحم الحي، الشرقي، البدوي، الوحيد، القاسي، الهاشل، الخائب، الثائر، المتمرد،، المتألم كالماء حول السفينة...؟. لان تجربته الشعرية ومنذ زمن الستينات الباهر، هو وأنسي الحاج (على ما لدى الثاني من وهج شعري كياني يرتبط بتجربته، ومن خصوصية كاملة في الهجس، الرؤيا، اللغة، الثقافة، ابتعاد المرمى)، - أكثر من أي شعر لبناني أو عربي، حديث، آخر! التجربتان اللتان جعلتاني آو من (وقبلهما، زمنا، بدر شاكر السياب من موقع شعري آخر، مختلف، موزون، مفعل) بأن الشعر العربي "الحديث"- وقصيدة النثر تحديدا- جدير الى هذا الحد بربط معنى الشعر به.، أعني أن هذا النوع من شعر الحداثة العربية بالذات، شعر التجربة الذاتية (حصه آ)، متمثلآ، هنا، لشعر محمد الماغوط، هو، فى العربية، الشعر الذي أراه يخرج من البكر الالثيذ ارتباطا بالرنا،، الأكثر ذهابآ في جو هر

التجربة الذاتية وتجذرآ فيها. أي أنه شعر ينبع في طبقات العتمة الداخلية، ينبجس منها، ممسكآ بتلابيب البداهات الروحية القصوى، آتيآ من فرادة الأماكن التي تجتمع فيها حقائق الباطن والأسرار واللالئ والدهشات. ثمة تجاوب شعرية عربية كبرى، أخرى، مختلفة وكثيفة ومتنوعة، "هذا النوع" من الشعر يؤتى له أن يكتب، مرة أو مرارآ، وأن يكتب مجددآ على أيدي رواده، وأن تنتظر جديده في السبعينات، الثمانينات، التسعينات الى ما شاء الشعر، على أيدي شعراء آخرين، جدد أيضآ، بلا تكرار، ليصيب، في رأيي الشخصي، في مكمن مختلف عن غيره، مقتل "الحقائق" التي أحمث أن يقترن بها التعريف بالشعر، التعرف إليه.، هي" حقائق" الشعر الكوني في كل لغة وفي كلى مكان وزمان.


" ولدت عاريا وشببت عاريآ كالرمح كالإنسان البدائي"،


يقول محمد الماغوط، و

"يخيل إلي أنني أكثر الأموات كلاما، لقد جئت متأخرا على هذا العالم

كزائر غريب بعد منتصف الليل"

" لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"،

ف "أيها المارة

اخلوا الشوارع من العذارى

والنساء المحجبات...

سأخرج من بيتي عاريا لأعود الى غابتي".


فبمثل نزف هاتين الوحشية والبدائية، وبمثل هذا العدوان الزاخر بغريزة الشعر، يكتب الماغوط حياته، نثره، شعره، قد صعقني ما يكتبه فأحببته عندما قرأته للمرة الأولى، منذ ان كنت في الصفوف الثانوية، ولا أزال أحبه. فهذا الذي قال يوما:

"سئمتك أيها الشعر، أيها الجيفة الخالدة

لبنان يحترق

يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء"

و

"ضمني بقوة يا لبنان

ألذ أكثر من التبغ والحدائق"

و

"لا أشعار بعد اليوم

إذا صرعوك يا لبنان

وانتهت ليالي الشعر، التسكع

سأطلق الرصاص على حنجرتي"

، مثله، شاعرا، لا يحتاج الى أن نستضيفه، لأننا ضيوفه على صفحات كانت ولا تزال- في عهد بيروت ولبنان وعهدهما- بيته وموئله. بل موئل المغامرة الشعرية والحرية.وحتى آخرهما.

******

ساعة مع محمد الماغوط

عباس بيضون


(لبنان)

محمد الماغوط لا اذكر أول من قال لي بأن محمد الماغوط لا يتحرك من بيته وانه لضخامة ما صار إليه لا يستطيع أن يشيل جسده. قال انه يشرب نبيذا مخلوطا بالجِن وانه يعرض على طاولته أصنافا كثيرة من القناني الفارغة. ولا يتوقف مع أمراضه عن الشرب والتدخين. لم أكن رأيت محمد الماغوط منذ زمن بعيد، كان حينها ممددا على كنبته يعاني الديسك، لكن فكرة أن يحبس نفسه بين قنانيه الفارغة كانت بالنسبة لي ذات نهايات درامية، كانت تستدعي هاملت ولودفيغ فيسكونتي وحتى طيار سكورسيزي المتأخر، وهم يتحررون من أنفسهم وحيواتهم ويمنحونها بلا حساب لنوع من الانتحار الآلي اللاواعي أو حتى الجنون الإرادي. تحت وطأة صور كهذه. تهيبت كثيرا لقاء الماغوط. لم اعرف ماذا يمكنني أن افعل مع شخص حسم أمره على هذا النحو، كان كل جدل وكل كلام بالتأكيد خلف ظهره، ولم يكن ممكنا ولا حتى أخلاقيا أن أشده من تلابييه لينظر إلى الوراء أو حتى ليسمعني.

في حفل ذكرى ممدوح عدوان رأيت الماغوط على الشاشة، وهو يلقي كلمته في ممدوح. كانت فكرة تصويره ذكية بلا شك لكنها مخيفة. أنها تعكس غيابا من نوع آخر، ليس موقتا ولا عرضيا على الأقل؛ غيابا أشبه بأن يكون طبيعة أو حتى مصيرا. كان التصوير إعلانا عن وجود مهدد، أو وجود معلق، بدا الماغوط في أول الشريط من وراء باب أو ساتر كأنه في مكان لا تبلغه الكاميرا، في داخل خاص، بدا وجهه وجسده ثقيلين ومتعسرين. ثمة صعوبة هنا تطغى على كل تعبير، قام بحركة قبل أن يبدأ القراءة، ربما أطفأ سيجارته وهو يتطلع من وراء عبوسه ونظارتيه السميكتين. بدأ يقرأ لكن الحشرجة ابتلعت أحيانا نصه، كان علينا أن نصيخ جيدا جدا لنلتقط الكلمات. نجحنا في أن نسمع لكن الحشرجة ظلت التي في ذاكرتنا وكأنها الهدير الذي يسبق مرور طائرة. بدت الحشرجة تقريبا الصوت الطبيعي لتلك الهيئة المقطّبة، سجينة مكان ما أو حتى سجينة شيء ما.

في الليلة ذاتها أسرّ لنا محمد ملص أن الشريط ممنتج. قال هذا على كأس، وفي عتمة الحانة جعل تصريحه الأمور أصعب. كان هناك فوق ذلك كذب التقنية، إلصاق ووصل. في ذلك كله ما يوحي أن في الأمر تركيب حياة.

حين تمت دعوتنا إلى زيارة الماغوط تلبكت، لكنني جلست مع جودت فخر الدين وسيد محمود وعبلة الرويني في الجيب وقفزنا في النهار العاصف.


صعدنا طابقا واحدا بحسب سيد محمود تكرر ثلاث مرات. مررنا مسرعين في الكوريدور. كانت تنتظرنا على الباب صبية سلمنا عليها من دون أن نتبادل معها كلمة أو ننظر إليها. تركناها تستقبل غيرنا وأسرعنا في الكوريدور. ها هو محمد الماغوط فارشا جسده على كنبة وقبالته محمود درويش مضغوطا في طرف كنبة أخرى. أيام طويلة انقضت، عشرون سنة تقريبا، لم يتغير. كان فقط في صورة مكبرة، كل ما فيه بالكبير. بدا ذلك أكثر من أن يكون حقيقيا. كان موجودا وكأنه عملاق نفسه. عيناه. عيناه الكبيرتان المسلطتان النافرتان في العادة غدتا هائلتين. كان من الصعب معرفة إذا كانتا بهذا الحجم تملكان النظرة ذاتها، كان وجهه بملامحه المتضخمة اقل هماً مما بدا في شريط ملص، بدا أن (الصحة) طردت كل هم. بلا تجاعيد بدا وجه محمد الماغوط معفيا من العمر، بل معفيا من الوقت، أن لم نقل معفيا من الحاضر، كأنه صار، هكذا، شيئا من الحكاية أو شيئا من السحر. كان بعيدا بهذه الصفة وكأنه في غير لحظتنا وغير نورنا، لم تكن أمامه القناني الفارغة التي سمعنا بها، ربما بالغوا في ذلك. ربما شالوها من أمامه لكنهم لم يشيلوا صينية الطعام الصغيرة الملأى التي ظهر في طرفها كرواسان في كيس بلاستيك. هل استعد لهذه الزيارة المزمعة سلفا. إذا كان استعد فإنه لم يهتم بأن يبدل ثيابه. بقي يرتدي ثلاث كنزات بارزة من تحت بعضها البعض بأي ألوان وأي نسق، أشبه في ذلك بمسني الضيعة الذين يكافحون البرد بكل ما في خزائنهم. لم يلق بالا بالطبع لسروال بجامته. كان مفلوشا على كنبته في تلك الصالة الضيقة نسبيا والتي يتقارب جداراها المليئان بلوحات أصلية نصفها، نصفها تقريبا بورتريهات متعددة الأحجام لمحمد الماغوط نفسه. البورتريهات التي تقدمه في أعمار مختلفة. من أوائل الشباب حتى الكهولة، وبدت شريطا صامتا لحياة محمد الماغوط وشهودا صامتين عليها.

مسرورا كان محمد الماغوط بزيارة ضيوف ذكرى عدوان. كان في هذا تكريم قبله بامتنان وقطر صوته حفاوة بالقادمين. كان هناك في داخل الغرفة درويش وحجازي وفخر الدين وبزيع وسيد محمود وعبلة الرويني وشبان سوريون بالإضافة إلى وزير الثقافة محمود السيد.

لم يقل الماغوط كلمة ترحيب لكنه لم يحتج إلى ذلك. بدت في وجهه.


شاء فقط أن يكلم ضيوفه، اختار أن يبدأ من مطارح حميمة ومجربة. قال انه جاء إلى الأدب بغير استعداد، لم يحلم بأن يكون أديبا، لولا المصادفة لكان تزوج بابنة عمه وبقي في بلدته. يسره كما أظن أن يقدم نفسه على هذا النحو، أن يبدو وكأنه لم يتقصد شيئا، أو انه أكثر فرادة من أن يأخذ شيئا بجد. حياته الطريق. هو ملك التسكع وطفل الحرية، والمصادفات تتكفل بكل شيء. أحب أن يروي مجددا قصته عن دخوله الحزب القومي الاجتماعي، حكاية لا تخطئ أبدا وقعها. روى كيف وجد مكتبه اقرب إلى بيته وكيف أغراه موقد المكتب بأن يدخل ليتدفأ. (لم اقرأ شيئا من أدبيات الحزب)، يصر ولا تعرف عندئذ إذا كان يتنصل من أدبيات الحزب أم من القراءة بجملتها، وتتساءل إذا لم تكن تلك الحكاية الذائعة عن فطرية الماغوط وبساطة ثقافته من صنعه أيضا. قال انه يكتب كل يوم ويملأ دفاتره بقصائد ستظهر بعد ذلك.

بدا أفضل بكثير مما رأيناه في شريط محمد ملص، كان هذا مجلبة لمزاح حول نظرة ملص ونواياه. انتبه الماغوط إلى كلامنا عن ملص لكن فاتته النكتة التي فيه، ظن أن المقصود هو بطء ملص المشهود وقال معلقا انه يفضل ملص لفيلم عنه، لأن فيلما كهذا لن يقيض له أن يراه وربما لن يقيض له أن يرى النور. رفع رأسه وقال لمحمود درويش انه كتب قصيدة عنه، طلب منه محمود أن يقرأها لكنه رفض ولم يلح درويش. نظر إلى أحمد حجازي وقال انه أحب قصيدته لاعب السيرك. قال أن خالدة سعيد نصحته بقراءتها، كأنه بذلك يحافظ على صورته الفطرية ويتجنب أن يظهر محترف قراءة. قال انه يكتب باستمرار. وضع كتابه الأخير الضخم (شرق عدن، غرب الله) على الطاولة وأشار إلى انه أفضل ما كتبه في حياته.


(اكتب للبسطاء والعاديين وهذا الكتاب كذلك). إذا كان هناك كتّاب كثر يفضلون أن يقولوا أن كتابهم الأخير أحسن ما أبدعوه، في إلحاح نرجسي على شباب موهبتهم وفنهم، فإن الذين يفكرون في أن محمد الماغوط تراجع باطراد عن مستوى كتبه الأربعة الأولى انصرفوا عن التفكير في أن ما يعانيه أزمة كتابية. سمع حجازي الماغوط يقرأ عنوان كتابه (شرق عدن) بفتح الدال. كانت هذه مناسبة للتفوق على الماغوط لغويا، سأله حجازي إذا كان يقصد عدن المدينة أو عدن الجنة القرآنية، استنتج أنه لا بد يعني الجنة ما دام العنوان يحوي أيضا (غرب الله). والمناسبة هنا هي بالتأكيد بين عدن الجنة والله، إذا كانت عدن الجنة فلا بد من أنها (عَدْن) بتسكين الدال. استمع الماغوط لكنه عاند في تغيير لفظه، أنها عدن الجنة لكنها بالفتح وستبقى بالفتح. كانت هذه مناسبة عصيان صغيرة، قال انه يعرف اللغة جيدا، قرأ القرآن وكاد يحفظه. لكنه لدى نشر كتبه في بيروت كان لا يتسامح في تصحيح أي شيء فيها ويصر على أن يحتفظ بكامل أخطائه اللغوية والمعنوية والإبداعية (لم يكن الفطري هينا في مواجهة المتضلعين والمعلمين).

سأله حجازي إذا كان يكتب سيرته. قال انه لا يهتم بها، يعنيه دائما الحاضر الذي هو فيه، كان هذا جوابا يقلب كل تكهناتنا.

قال أن أمل دنقل حفظ (الفرح ليس مهنتي) كاملا. كانت هذه مناسبة للحديث عن حافظة دنقل وشعره. وجد من ذكر (لا تصالح). قال درويش انه لا يفضلها ويؤثر عليها ديوان دنقل الأخير (الغرفة رقم 7). أثنى حجازي على رأي درويش لكنه قال أن شعر (العهد الثاني) أيضا رفيع ويزاوج بين (اللغة المقدسة) واليومية، كنا أيضا وبسرعة أمام قراءة أخرى لأمل دنقل.

في استطراد بلا مناسبة واضحة قال الماغوط انه تلقى من السياب رسالة من 18 ورقة كبيرة حبر على وجهيها مديحا مطولا لعبد الكريم


قاسم. قال متأسفا انه فقد هذه الرسالة ولم ادر فيمَ الأسف. أهو لغياب رسالة من صديق أو فقدان وثيقة في محاكمته.

فجأة قال الماغوط انه يريد أن يقرأ قصيدته عن محمود درويش. فتح على صفحة دفتر وقرأ شيئا عن أشجار يمكن أن تغدو قاسية. أفلتت في مواضع في القصيدة إيقاعات قديمة من شعره. كانت القصيدة قصيرة. سمعناها بدون تعليق تقريبا. كان هذا احترامنا العميق للشاعر الذي تربينا على قصائده.


حديث من حجازي عن شعر الماغوط والسخرية العميقة الصادقة في شعره. يدخل شابان يقول المفوه بهما أنهما لم يستطيعا صبرا عن اللحاق بهذه (النخبة من أدبائنا الكبار) وأنهما يستميحاننا عذرا في اقتحام هذه الجلسة واقتطاع بعضها لبث إذاعي. قالا أن الماغوط وافق فلم يجد حجازي ولا درويش بدا من الموافقة. بدا الحديث مع الماغوط اقرب إلى المناكدة. يجيب الماغوط وكأنه فقط يقطع دابر السؤال. أجوبة سريعة تتصنع الضيق (ماذا تحس بعد أن يغادرك الأساتذة) (إنهم معي لا يغادرونني، معي حين اشرب وحين اكتب، معي على الكأس والطاولة وحتى في التواليت). (أستاذ أخشى أن نكون أزعجناك) يصرفه الماغوط بلا هوادة (نعم أزعجتموني). انتقل الميكرو إلى حجازي. سؤال عن الماغوط وشعره. أشاد بما فيه من سخرية ضرورية لكل شعر رفيع، وفجأة سؤال يقطع الجو تماما (هل أنت هنا لتأبين مبكر للماغوط). وقف السؤال في الجو. بقي مسلطا هنيهة كبيرة، كان صدوره من الشاب المبالغ في تهذيبه غريبا للغاية. بدا نوعا من دوي صامت، من فضيحة معلقة. كان وقاحة صرفا، هل كان استعراضا، أم أنها علبة باندورا انفتحت في أعماقنا.


هل خفنا من السؤال لهذا السبب أم تحررنا منه فجأة. أجاب حجازي بأن الموت حق، لعل الشاب شعر بالورطة فغطاها بالهرب إلى الأمام. سأل درويش عن موته أيضا واستغرب درويش (ما لك تحمل تابوتا). قال الماغوط أن الموت فرح. قلل الجواب من الجنائزية التي صارت إليها الجلسة. الموت فرح. الموت حق.. كان واضحا أن الجلسة انتهت، وان على كل منا أن يتساير قليلا مع الشبح الذي خرج من داخله.

السفير- 2005/02/05

********

صوت من سلمية

محيي الدين اللاذقاني


(سوريا/لندن)

صوت من سلميةبعد خروجه من الإبرة يظن الخيط انه هو الذي ثقبها، وبعد مغادرتنا للأمكنة التي نحب نكتشف أنها لم تغادرنا وأننا ثقبنا بفراقها دون ان نبرحها، ولم يكن في الشعر الإنساني كله أرشق من كافافيس، وهو يعبر في "اسكندرياته" عن ذلك المغزى العميق لأمكنة تتغلغل فيها أرواحنا وتأبى ـ وان غادرتها ـ ان تفارقها.

لقد كانت "سلمية" السورية في شعر محمد الماغوط قبل ثلاثين عاماً ونيف، آخر دمعة ذرفها الرومان على أسير فك قيوده بأسنانه، وها هي تعود اليوم في شعر أسامة الماغوط على شكل قبيلة آسرة تظن انك خلعتها فتلبسك عباءة تحت الجلد وليس فوقه وهنا خطورتها.

ها أنت عار من كل قبيلتك ان أردت


تدنو من الخيمة التي تريد


معك رجولة ترفعها كسارية


لكن حين تخرج سأراك تجتر قصة عن أبيك


أو تبحث في الرمل عن صلاة الأم البعيدة

ولم ينس الماغوط الصغير ان يستلف من الماغوط الكبير عبارته المضيئة في الحنين الى سلمية "إنني راحل وقلبي راجع مع دخان القطار" وبهذه العبارة استدعى المقارنة بين سلميته، وسلمية محمد الماغوط وسلمية صاحب الناقة القرمطي الذي دمرها ليتخلص من حبها، وما استطاع الى الفكاك منها سبيلا، فسلمية واحة من العيون الخضر على كتف صحراء عطشى، ولا شيء يغري المخيلة مثل تجاور العطش والري وصراعهما قبل استسلام أحدهما.

ومشكلة أسامة الماغوط في ديوانه الجديد "بوح الحكايا" في كثرة الاستشهادات العميقة ذات المدلولات الوجودية الرهيفة في الشعر والحياة، فهو يستعير لقصيدته "سطور في بقايا دفتر" عبارة ابن عربي:

"كل سفينة ريحها ليست منها فقيرة"

وبعد عبارة بهذا الاختزال والتكثيف ماذا يستطيع أي شاعر ـ وان كان فحلاً ـ ان يقول أو يقرزم..؟

وفي قصيدة "حكاية الشهوة" يستعير من ابن عربي أيضا قوله "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه".. أما من


إليوت فيأخذ لقصيدة "حكاية الحكاية" عبارته التشريحية الموفقة:

"الكتابة تحويل الدم الى حبر".

وفي قصيدة أخرى يستلف عبارة ريلكة "اللغة مسكن الكائن" مع استشهادات وأقوال كثيرة أخرى خلقت له ضمناً مشكلة المقارنات، فمع أقوال من هذا النوع يرتفع سقف التوقع عند القارئ ولا تكون النتيجة لصالح الشاعر مهما كان مجيداً، وأسامة الماغوط من الشباب المجيدين، والإحساس بقصائده وشاعريته سيكون أفضل لو لم يزرع على بواباته تلك المفاتيح التي صكتها القمم من أرباب صناعة الكتابة وأخدان القلم والألم، انه شاعر مميز ذاك الذي يقول:

يا شيئاً من الرمال


وشيئاً من البحر


احترت ما سأكون


فتمددت شاطئا


والذي يقول أيضا:


كل ساعة تمر


تحمل ستين دقيقة معها وتمضي


إلا ساعة حضورك


تحمل ستين حكاية


تبقيها وتمضين

وفي الديوان الصادر عن دار الطليعة الجديدة بدمشق مفارق مشعة كثيرة تنبئ عن شاعر أدرك حكمة كيركهارد:


"تعاش الحياة باتجاه الإمام لكن لا تفهم إلا بالعودة الى الوراء". ومن شأن فهم وجودي يستند الى كيركهارد وابن عربي ومحمد الماغوط ان ينتج شعراً مثقلاً بالبصمات الخاصة والبراعم المتفردة التي وان لم تزهر كاملة في هذا الديوان ـ ولعله الأول ـ فإن الأفق الفسيح ما يزال أمامها لتتفتح على مهلها مالئة فضاء سلمية ودمشق بما يليق بتاريخهما الساحر من العبق والشذى.

المصدر : جريدة الشرق الأوسط 27 نوفمبر 2001

* * *

ما زالت رائحة صوته تتردد في كثير من الوالهين بالكتابة الشعرية

غازي الذيب


(الأردن)

تشبه لحظة اكتشافي لمحمد الماغوط شاعرا وناثرا، سفرا جديدا ورحلة خاصة، لهما طعم الاختلاف والغرابة الممزوجة بالدهشة المثيرة للأسئلة، فهذا الشاعر الخارج للتو من بر الطزاجة اللغوية، والعفوي، صاحب الوقع المفاجئ في الكتابة الشعرية والنثرية، والمتمرد الصاخب، والمندفع في ذهابه للحرية، يمتلك طاقة غير عادية على الجاذبية، بلغته المشفرة والعميقة والبسيطة التي تمنح قارئها خلوصا الى المعنى، وتذهب بالنص الى مناطق ما كان منشغلا بها قبل محمد الماغوط.


كانت الأسئلة وما زالت تتردد في داخلي، حين أصاب بوله ما، وغالبا ما كانت الكتابات الفاتنة هي التي تثير حاستها تلك في ّ، وتمنحني ولهها الفريد، الذي يتمكن من وضعي في دائرة الانشغال بها دون توقف.


ومحمد الماغوط هو الاسم الحركي لبعث هذه الدهشة.


السفر الخاص وطعم الاختلاف.

***

مثل ومض حاذق ينصب فخاخه، يدفعك الى قراءته بنظرة تبدد السكون فيك، تحرضك على أن تخرج على صمتك وسكونيتك المريبة، يدفعك الى الاحتجاج على الصمت، والاحتجاج على الوقوف في متاهة البلادة والبله، يخرج بك من كينونتك الصغرى الى فضاء تسبح فيه طيور زرقاء وخضراء وحمراء وبنية، طيور مشغولة بالتعدد والألوان والتحليق والخروج على الرمادي.


انه شاعر ممتلئ بالقلق، وقلقه معد، يجتاحك، ليعبئك بوجوده الكامل، تقرؤه لتصاب بالألفة، ولتذهب الى مكان جديد، تستطيع أن تصرخ وتضحك وتميل برأسك فيه، ولتقول أنك لا تفهم شيئا منه، أو أنك تفهمه، أو أنك لا تريد أن تفهم أو تريد أن تفهم، فالأشياء تصبح مثار توتر عال حين يكون الماغوط حاضرا، وهذا التوتر يفصح عن حاجة ملحة فينا للانعتاق والذهاب بعيدا في غواية الحرية وذهبها.


قصائده المتناثرة في أعداد مجلة شعر اللبنانية أو السورية ـ لا فرق ـ تشبه الغرابة في امتحانها الأول، الغرابة وهي تحاول قنص مكانها في المفاجئ والمثير والمحمل بالاختلاف، أوقفتني بهدوء عند ومضها الحاذق، ثمة سحب جديدة، وفضاءات ذات لون لم أره بهذه الكثافة من قبل، وعند هذا النوع الجديد من الكتابة التي تسمي نفسها شعرا، ولكنها بلا وزن وبلا قافية وبلا إيقاع مباشر، كنت أمضي باتجاه الاكتشاف، كان هذا في ثمانينيات القرن العشرين، ولم أكن بعد قد قرأت كتابا كاملا الماغوط، الشاعر والمسرحي وكاتب المقالات الإشكالي والروائي لاحقا، فقد كانت كتبه شبه ممنوعة من الانتشار في أمكنة عديدة على ما بدا، ربما لأنها مشحونة بكمية هائلة من الهواء النظيف، مما يفقد الذين أدمنوا تنفس الهواء الوسخ أعصابهم، ويجعلهم يشدونها من الغضب على من يفضحهم،


ويعريهم أمام ضحالتهم، حين يمنعون كتابا أو قصيدة أو مقالا، أو لوحة فنية، كما كان يحدث وما زال، وحتى أجمع أجزاء صورته التي صارت تتقاطع كلما تعرفت نصا أو مقالا له، بدأت أبحث عن كتبه فيما تيسر لي من مكتبات ولدى الأصدقاء، ثم عرفت أنه مؤلف مسرحيات: " ضيعة تشرين " و" كاسك يا وطن " و"غربة " وكان صدى عروضهن يتردد في أنحاء العالم العربي، ومن ثم صنعن شهرة غير عادية للممثل دريد لحام الذي كان يقوم دائما بأدوار البطولة فيهن، وظلت الصورة ناقصة، غير مكتملة، تبحث عن قطع مفقودة في اللوحة، فمحمد الماغوط على ما استطعت أن أعرف من خلال الأجزاء القليلة التي قرأتها آنذاك من كتابته، يصيب بالدوار، كتابته مستفزة وغامضة، حد إثارة السؤال وتعميق السجال فيه، إنها أيضا، كتابة جميلة حتى الألم، مبهرة، تأخذك منذ لحظتها الأولى الى تقليدها، لكنها صعبة الانقياد، جودتها عالية، ونبرتها الإنسانية حقيقية، فبطلها شاعر يعترف فيما بعد أنه كتب وسيظل يكتب، وغير معني بتسمية أو تصنيف ما كتبه كثيرا، المهم أنه كتب وما زال قادرا على الكتابة.

***

توقفت كثيرا عند ما أصابني بسبب مسرحياته التي أثارت جدلا واسعا حين بدأت تعرض في البلدان العربية في السبعينيات والثمانينيات ، وتساءلت عن سر هذه الشعبية العريضة لما يقدمه هذا المسرح ، الذي استحق وعن جدارة أن يكون جماهيريا ، محملا بنبرة صاغها نقاد متعبون من البحث عن مصطلح لائق به واستعاروا تسمية المسرح الملتزم ، ليشيروا إليه دون التباس ، ولأنه يحمل هوية ماغوطية سحرية ، ولم تكن هذه الهوية ، ليلة عرض أحدى مسرحياته في قاعة العرض تترك مقعدا فارغا ، ولم نكن نلمح إيماءة منه في مسرحية لم يكتبها ، حتى نقول : محمد الماغوط هنا أو هناك ، واستطاعت مسرحياته القلية التي عرضتها تلفزيوناتنا العربية بمناسبة وبدونها ، أن تقدم نوعا جديدا من المسرح ، له مفرداته ومضامينه الجادة والجذابة ، لكن هذه المسرحيات التي كنا نشاهدها ، كانت بعيدة عما ضمنه الماغوط بين دفتي كتب ووضعها في مجموعة أعماله الكاملة ، لتقدم لنا مسرحا آخر مختلفا ، يقرأ بطريقة أكثر سبرا لفهم الماغوط عن المسرح ، غير أن الروح الفائضة بالسخرية والتهكم والنقد التي رافقت مسرحياته التي عرضت على خشبة المسرح وشارك فيها دريد لحام ، ظلت تطارد مسرحه المكتوب والأكثر قربا من الجدة ، فحين قرأت مسرحيته " العصفور الأحدب " مثلا ، أصابني بوجع في ظهري لبعض الوقت وجعلني أمتلئ بالضحك المر لوقت طويل .


ان كتابته المؤثرة والعميقة تقرأ الذات، وتتمكن منها بسهولة، حتى وهو يقدم نصا غير شعبي، أو نصا مثقفا جادا ومتزمتا لقوانين اللعبة المسرحية، ويمتلك تلك الصيغ المحمومة بالتناسق والتناغم الهارموني، لكن مسرحياته الشعبية التي كان التلفزيون يعرضها بعد تسجيلها في عروضها على المسرح، كانت تثير رغبتي لمشاهدتها و كانت مع مسرحياته " المثقفة " تجعلني حائرا متسائلا: لماذا يكتب الماغوط نصوصا جارحة كهذه ؟ من أين يبتكر هذه الأحداث ؟ وشخوصه الذين يفرون من جلودنا، لماذا يستلهم من أجسادنا ليعيد صياغتهم بأرواحهم المتمردة والمدمرة بسبب العسف والطغيان والقمع ؟ كيف تمكن من رصد حيوات هذا العالم المريب والقاهر والأسود، بهذه الروح السلسة والبسيطة والبعيدة عن السوداوية المخربة ؟ ما الذي يريدنا أن نفعله من وراء إثارة حاستي التساؤل والتمرد فينا ؟ نعم.سرح هذا الذي يبتكر نظامه من إعادة تشخيص الواقع دون رتوش كثيرة ؟


نعم .. محمد الماغوط معلم كبير في كتابة الحرية والألم والحياة والواقع، سجل اسمه بريشة هذه الحيوات، وهكذا بدأت أتعرفه شاعرا ممتنا للحرية أكثر المساحات توقا لبحثه الإبداعي وانطلاقا في ذاته المتمردة والضاجة بالغناء لها، فهذا الطائر المجروح في الوطن العربي والذي يحمل اسم الحرية، ما هو إلا ابن حلمنا المصاب بالسجون والطغاة، ولأجله يخبط الماغوط أجنحته باتجاهه في حرقته العالية، حرقة كسر القيود التي عرفت لاحقا أنها نهشت الماغوط.

***

علي أن أعترف أن قصيدة النثر التي شغلني الماغوط بها الى جانب عدد من شعرائها العظام، لم تكن تحمل في هوائها غير جهة طلقة وحيدة حين انعتقت في سماء الشعر العربي في الخمسينيات، هي جهة الحرية والتحرر، فما أنتجته تلك الحقبة، وما تلاها من نتاج في هذا الفضاء الفسيح الذي أطلقنا عليه فرحين ومرتبكين اسم قصيدة نثر، كان بفعل توهج الرغبة العربية في اتجاه الحرية، حيث كانت الاستعمارات آنذاك تأكل أيامها الأخيرة، وكانت الحاجة تلح لكي تبني إنسانا عربيا يدرك معنى أن يكون مستقلا، بعدما نسي في حمأة الاحتلالات لأوطانه كينونته ككائن له حقوقه.


الحرية إذن هي التي دلت على قصيدة النثر، في انشغالاتها العظيمة، وفي ترجمتها لهموم الذات ا لعربية، الذات التي تستشعر كمية هواء كبيرة في رئتيها، وعليها ان تتعامل معها برحابة وطلاقة، الحرية التي كانت قصائد ومسرحيات الماغوط تتنفسها بحرية جميلة، حرية، تكون الكتابة فيها تعبيرا خالصا عن الإنسان في تحولاته وتبدلانه وحاجاته.


مجرد قصائد متناثرة في مجلة شعر التي كانت ضمن مجلدات لما صدر من أعدادها، عرفتني بمحمد الماغوط.


لقد حيرتني هذه الكتابة / القصائد، وأمام هذا النوع الجديد منها، حتى في شكله الهندسي، وأمام هذه الانقلابة المريبة التي صارت تذهب بي الى هؤلاء الذين يكتبون بطلاقة لا قيود فيها، محملين بعيون الناس في شوارعنا وهمومهم وآلامهم وغموضهم وانتكاساتهم ( كنت آمل أن أقول أيضا: وانتصاراتهم، لكن.. ) استطعت أن أشعر بالارتباك والحيرة والدهشة في آن واحد. انه عالم جديد.. عالم أوسع مما تخيلت، ومغامروه ليسوا خارج منطقة الحلم الذي أتطلع إليه: التغيير.


أصابتني هذه الكتابة الماغوطية بمسها ، الى جانب كتابات شعرية لـ : فؤاد رفقة وسعدي يوسف ونزار قباني وأدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وخليل حاوي والسياب ، وكل كتيبة مجلة شعر التي دفعتني الى أن أقرأها منذ المجلد الأول وحتى الأخير ، وحضتني على القراءة في مداراتها الجديدة والغريبة على ذائقتي التي تعرف الشعر في صورته السائدة آنذاك ، كان هذا الشعر الجديد مبعد عن السياق العام للشعر العربي الذي أعرف شكله وأوزانه ومواضيعه المنشغلة بالهجاء والمدح والوصف والحماسة والغزل والمباهاة وغيرها من التصانيف التي كان يضعها مؤرخو هذه الأنواع ، وعلى ما كنت أظن ، اعتقدت أنني صاحب هذا الاكتشاف الخارق والوحيد لهذا المجال الحيوي من الكتابة التي أسمح لنفسي أن أسميها كتابة حرة ، واعتقدت كذلك أن الماغوط أحد أسراري الخاصة ، الذي ما إن ذكرت اسمه أمام بعض الأصدقاء ، حتى تحسسوا ما يحملونه من كتب ، لكنني لم أهتم لذلك ، ذهبت الى كل تلك الكتيبة ، وبدأت أنحرف عن الكتابة السائدة بفضلها ، وبدأت أعي أن الماغوط واحد من قلة يستطيع تطويع الكتابة الى أن تصبح في متناول الجميع ، ودون أن تظهر على وجهها تلك الثقوب المميتة .


لقد كان محمد الماغوط.. شاعرا نوعيا ، منذ أطلق قصائده الأولى في مجلة شعر وغيرها من الدوريات ، لم يكن عاديا ، ولم يكن منمطا ، أو خاضعا لسيرة " شعر" التي شكلت ما يشبه النهج الكتابي الجديد عندما أصدرتها جماعتها ، لكن كل من كتب فوق صفحاتها كان يحمل حنجرته الخاصة ، يصرخ أو يغني بأوتاره الصوتية هو ، لا بأوتار غيره ، وقد راحت كتابات الماغوط لصناعة مثل هذا التوهج ، الذي شدني ببساطته وغموضه وغنائيته الرفيعة وجموحه وتوقه الحميم للتحرر من فضاء العادي ، والمضي في تمجيد الحياة واحترام المهمل ، ونبش المسكوت عنه وإماطة اللثام عن التفاصيل ، وقراءة اليومي بطريقة تثير الحب واستخدام المفردات الممنوعة دون خوف أو تربص ، وتأنيق النص كما لو أنه زهرة الجمال الفريدة .


ومثل أي مفاجأة حارة، قرأت الماغوط، ليخلف فيّ انقلابا نوعيا في التوجه الى الكتابة الحرة، كتابة العالم والحياة، بكامل بهائهما وغضبهما ونزقهما وتفجرهما وترددهما، وللحق كان شركاؤه في التأثير علي كثر في هذا المدى المؤرق، لكن أثره العذب جعلني أمتن لمنجزه في الكتابة، وأنحاز الى مغامرته التي لم تتوقف حتى وهو يمارس بعض كتابة المقالات في مجلات متناثرة مؤخرا، من باب استعادة الصوت لا أكثر ولا أقل، لكنها استعادة ملتبسة.

****

لقد تسنى لي أن أقرأ بكثافة مبالغ فيها أحيانا، أو ـ ربما مضرة ومسببة للتزمت ـ ما توافر في مكتبة أمانة عمان الكبرى وسط العاصمة، من كتب ونصوص الشعر العربي القديم بفترته الواقعة ما قبل الإسلام وما بعدها، وفي دهشة الاكتشافات الكثيرة التي ارتكبتني حين اقتربت من طرفة وأبو نواس وامرئ القيس والأعشى والنابغة الذبياني ولبيد والأخطل والفرزدق وجرير والمتنبي وأبو تمام وحسان بن ثابت والبحتري وعروة بن الورد وعنترة، وغيرهم ممن هجمت عليهم واحدا واحدا، كي أربي قريحتي على الأصالة، وجدتني ألتفت الى مساحة أخرى، أريد من خلالها أن أتعرف على الكتابة، ليس بمفهومها الذي عودتني عليه قراءاتي تلك، بل بما هو جديد ومغاير، ولكن أين سأجد ذلك، أين سأمسك بنصوص تربكني كالتي قرأتها للماغوط وأنسي الحاج والسياب ؟ أين ؟ وترددت في أسئلة مرتابة تبحث عما هو مختلف: هل شعرنا العربي كامن فيما قرأته من النصوص العربية القديمة والمنشغلة بالفخامة الأسلوبية، الذاهبة في تقاليد القصيدة الكلاسيكية الى أقصى عنايتها بالإيقاع والوزن والمعنى والتركيب والصورة ؟ أين المختلف من هذا الشعر المتفارق والجديد مع الشكل الهندسي والروح للقصيدة العمودية ؟ لم يكن هذا هجاء للكلاسيكي بقدر ما هو بحث مضن عما يمكنني من ممارسة ما قام به الكلاسيكيون أو القول. بعض مراحل توقدهم من بحث وخروج إلى مناطق جديدة في تصوراتهم عن الشعر والكتابة والقول.


لم أكن بعد قد وعيت أن مثل هذه الأسئلة ستقودني الى معركة عنيفة: التمسك بالشكل الذي عرفته للقصيدة والشعر العربيين أم التحلل منه، والبحث في مناطق أخرى تساعدني على قراءة تشبع حواسي المدربة على فخامة القصيدة الكلاسيكية، وآنذاك كنت قد بدأت أعنى بقراءة الكلاسيكيين العرب الجدد أمثال عمر أبو ريشة والجواهري وأحمد صافي النجفي والزهاوي وإبراهيم ناجي والياس أبو شبكة وإيليا أبو ماضي وإبراهيم طوقان وأبو سلمى وغيرهم، لكن تلك القراءات ما دفعت بي الى الاسترخاء في هدأتها، فالنفس أمارة بالخروج الى مناطق لم أعرفها من قبل، والنفس مشدودة الى المغاير، الذي كنت أقرأ بعضه لماماً في هذه الصحيفة أو ذاك الكتاب، والمغاير هو تلك النصوص كان تعرفي عليها، محروسا بخوف شديد من أن تتسرب إلى، بحكم التقاليد التربوية في مدارسنا، لذا اقتصرت قراءتي لها على التعرف على هذا النوع الكتابي الذي حاولت أن أرغم نفسي على عدم الاقتراب منه كثيرا، وبقليل من الجرأة تقدمت الى أرفف المجموعات الشعرية العربية الحديثة، قرأت نزار قباني في غزلياته الفاتنة، وهجائياته، قرأت السياب في أساطيره وانشغالاته التموزية، قرأت خليل حاوي الخارج على أعراف القصيدة العربية السلسة، قرأت بعضا من محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو، قرأت لكتاب قصيدة التفعيلة الذين مر بعضهم علي في مجلة شعر سابقا، لكن محمد الماغوط لم يحضر في مجموعاته الشعرية بعد، وكنت بحق أتشوق لكتاباته الشعرية والنثرية، وأتحين الفرصة لأجد شيئا منها، لكن ذلك لم يحدث إلا في وقت متأخر، فمع نهاية الثمانينيات، بدأت أحصل على كتب هذا الشاعر الذي حين قرأته أول مرة، فاجأني باستخدامه لبعض المفردات الضالة في الكتابة العربية، فأعاد لها رونقها، ووضعها في سياقات ارتاحت الكلمات لها، فبدت وكأنها جديدة، ابنة اللحظة الراهنة.


وبعدها تسنى لي قراءة ما صدر من أعماله الشعرية والمسرحية والمقالات، وعرفت أن صورة محمد الماغوط لا يمكن أن تكتمل بقراءة شعره ونثره وحدهما، وستظل ناقصة الى حين أن أراه، لكن محاولاتي لرؤيته باءت بالفشل، فحين زرت دمشق ليوم واحد، بحثت عنه في مقهى الهافانا كما قالوا لي، لكنه في ذلك اليوم الذي نسيت تاريخه من عام 1993لم يكن حاضرا، ثم غادرت الى اللاذقية، لأقيم فيها بعض الوقت، لكن الماغوط ظل ماثلا، ابحث عنه في مكتبات اللاذقية، وهناك وجدت بعض أعماله التي رافقتني أثناء زيارتي القصيرة والوحيدة لسوريا، فقرأتها مرة أخرى.


وحين صدر له رواية " الأرجوحة " وكتاب " سأخون وطني " عن دار رياض نجيب الريس، بعد غياب طويل نسبيا عن النشر والكتابة، كان محمد الماغوط هو هو، لم تتغير نبرته الفذة في اقتفاء أثر الحرية والمعادن النبيلة في الحياة وفي الكتابة، كان صوته رغم سني عمره المرهقة، ورغم المرض الذي أخذه الى أحد مستشفيات باريس قبل أعوام، عاليا ونقيا، لا تشوبه ارتجافة الوهن ولا سنوات الكهولة، كنت أتلمس فيه ذلك الشاب الذي قرأته قبل سنوات بعيدة، والذي أدهشتني حكايته حين كتب مسرحيته العصفور الأحدب في قبو، وكان متخفيا عن الأنظار لأنه مطارد ومطلوب لأسباب سياسية.


على يديه تعرفت طويلا على الهواء الطلق للكتابة المفعمة بالحنكة والجرأة والبعيدة عن المباشرة الفجة، وعلى يديه تمكنت من تذوق فاكهة جديدة من شعرنا العربي، فهو واحد ممن شكلوا وعي أجيال من المثقفين والشعراء والكتاب العرب، وما زالت رائحة صوته تتردد في كثير من الوالهين بالكتابة، ولن اغفل أثرا له في كتاباتي إذا ما دققت فيها قليلا.

ملف جريدة (الرأي) الأردنية

**********