Sunday, January 2, 2011

صحبة الأب


صحبة الأب


أكرم قطريب


1
مات محمد الماغوط. من يصدّق! الآن عرفت لماذا كان إليوت يكره شهر نيسان. فالذي كان يغرد خارج حدود العرب وأوطانهم أجمعين مات. مات الذي بقي يحلم وهو على عكاز في بلاد تشبه الشعر إلى حد بعيد، تاركا وراءه شجرته العظيمة وأعمدة وقوارب منهكة وزرقة، وشحوبه الذي لطالما اتصف به. مات محمد الماغوط الذي لم ينتم إلا إلى نفسه ولغته وبرّيته، التي لم يستطع أحد منا اللحاق به إليها. في كل لحظة من كتابته، كان ثمة مجازفة ومرارة ضرورية في كل سطر، والخيط الممدود بين لغته وحياته اليومية أشبه ما كان بسرّ خاص به. لم يضع نفسه في مواجهة مقصودة مع البلاغة وحرّاسها، ولم يكن يستطيع أن يتخيل أن الشعر يمكن لجمه بين أسوار الأكاديميات والفلسفة التي لا طائل لها وهي تشرّحه في غرف العناية الفائقة. كان ناسخ نفسه، هذا البدوي الذي نزل من أصقاع الريف القاسي إلى المدن، وقلبه وحذاؤه تحت إبطيه. إن اختزال الماغوط في لحظة موته هذه قد تظلمه، هذا الذي سيبقى نحس الشعراء وهم يحرثون اللغة في أرضه الملغّمة. ستكون خسارة أكيدة ومزعجة لكثيرين، ولن تنفع كل أنواع الأسلحة المضادة لأنه كان يكتب أشياء يود نسيانها، وكان قدره أن يهبط من اللغة العربية حين أعاد إليها الحياة في ثقافة الموت. قصائد تركض عارية في المدن المحجّبة والمسكونة بالرعب، أشبه بنداء قصيّ في صحراء، وأوطان هي هذيانات مكانية لم يستطع أن يكون واحداً من حكمائها، هو المستوحش والغريب والمتجهم، وظمأه تحت لسانه، بالكتف المغبرّة والعاطفة الراسخة كجبال الأساطير القديمة. ها نحن نستعيده في الصحو، ومن دون حراك سنتلمس قلبه الذي يرفّ تحت التراب. نحسده ونحن نصدق أنّ في إمكان الشاعر أن يكون حارس الأبدية بساق جريحة، أو عرضة للفناء على هذا الشكل.



2

أزيحوا تماثيل الجنرالات ولو قليلا تحت شمس هذا الشهر. دعوه يمر، يا للحسرة. كل ما حفظناه من لمح عينيه القويتين سيذوي ونحن نتدرب على سرقة لمعانهما. لم يورثنا إلا الحواف المسننة وأجنحة من الشمع ومدنا ميؤوسا منها، مدنا لا تزال تنام على ألحان المارشات والشجر المحروق على مهل. كنت لا أصدق أن الشاعر يموت هكذا على حين غرة من لحم ودم، وبكل هذا النضج الهائل سيجفّ وسيُحشر لحمه نيئا بين صفائح الرخام، حيث هنا سيقوّي عزلته التي كان يستشرس في الدفاع عنها. كل ذلك الشعر، وكل هذا الخدر، وكل تلك التخوم التي تهافت عليها، وكل ذلك العوز الرومنسي إلى حرية متوهمة، لم ينقذ قلبه من أن لا يتوقف، وهو الشاعر الذي يكاد يكون الوحيد الذي لا أملّ من قراءته مرات ومرات وبشغف لا يضاهى، وحيدا معه في التيه وفي السجن العربي الشاسع المربوط بكسرة الخبز والصحون الطائرة في الخطابات. هل من تمثال له على أطراف البادية، حديقة وبضعة رفوف عليها كتبه. أو رسم صغير لرجل طاعن أحنته مفاتيح الأرض الخراب الثقيلة. ترى، لمن سأدين بهذه الصحبة، صحبة الأب في "الفرح ليس مهنتي" من مكتب البريد الى الجامعة، أيام دمشق، الى المقهى والحي الذي كنت أسكن فيه، ثم وسادة النوم إلى صوره أيام مجلة "شعر" مع أنسي الحاج ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة ونازك الملائكة وأدونيس ولور غريب وليلى بعلبكي ، إلى كلامه الآسر عن بدر شاكر السياب. ترى من يستطيع نسيان تلك المقالات التي كتبت أيام مجلة "المستقبل" مع نبيل خوري ورياض نجيب الريس. مجرد رمية الحجر هذه على هامش صفحة مذهولة، ستذكّرني بسياف الزهور الذي كان يتمرن على النظر نحو الشمس من وراء شباك مكسور. سأتحلى برباطة جأش وأنا أتخيله عائدا إلى سفوح مدينتي وفي يده شمعة تضيء له القبر وربما تنطفئ، وليس لديَّ من تسميات لكل تلك الشاعرية التي كانت تأسرني في كتبه وطريقة مشيته محنياً وساخراً وصاحب نكتة مريرة، في الحلم وتجربة العيش، نقلها حتى إلى شعره الذي كسر ذلك التناظر والزخرفة اللفظية التي داخت بها مدوّنات كثيرين. بالحمية نفسها لن أتمكن من ضبط نفسي وأنا أدفع حصتي من وهمٍ دفع بي إلى بلاد لا تُرى بالعين المجردة، باحثاً عن والت ويتمان على ضفاف البحيرات وفي شوارع هارلم. وكم كان محمد الماغوط لصيقاً وقريباً، أنا المذهول لرفقته لي حين أستدعي النادل في البار لأدفع قيمة الزجاجات التي سفحناها معاً قرب الهدسون.


3

قلت لزوجتي: مات الماغوط. ردّت: من زمان كان مبيّن أنّو بدّو يموت.

قصيدة واحدة تكفي


قصيدة واحدة تكفي


ديما الشكر


في إحدى جلسات مجلة "شعر" قرأ أدونيس قصيدة لمحمد الماغوط بحضوره وفي حضور شعراء "نجوم" مغفلاً عن قصد اسم الشاعر. وحين سأل أدونيس الحضور النجوم، إن كانوا يعرفون لمن القصيدة، احتاروا بين بودلير ورامبو، بيد أن أدونيس الذي كان قد التقط جمرة نص الماغوط وعمّدها شعراً، أشار بهدوء إلى الرجل وقال مفاجئاً الحضور: "هذا هو الشاعر".
روى محمد الماغوط هذه الحادثة لخليل صويلح الذي قيّدها كما قيّد غيرها في الكتاب - الحوار (اغتصاب كان وأخواتها) الصادر في دمشق لدى "دار البلد" عام 2002.
لعل في استعادة تلك الحادثة، ما ينفع الذكرى اليوم وقد أطفأ الماغوط عمره ورحل عنّا (1934 - 2006)، مخلِّفاً لنا قصائد ومسرحيات ونصوصاً وتصريحات كثيرة وعديدة، كرّسته شاعراً "كبيراً" لقصيدة النثر.
كأنما التنظير الفضفاض لقصيدة النثر - آنذاك والمستمر إلى اليوم - وجد في نصوص الماغوط شرعية لا بدّ منها، من أجل الانطلاق قدماً في طريق الحداثة الشعرية. لكنّ نص الماغوط الآتي من "خارج" التنظير، كما تُثبت ذلك جليّاً الحادثة أعلاه، يختلف عن قصيدة النثر التي بُشِّر بها، في نقاط أساسية ومفصلية: لم يكتب الماغوط قصائد غير موزونة عمداً ومن أجل التحرر من الوزن. ولم يتقصد خرق القواعد النحوية، ولا الجنوح نحو مبدأ الفوضى في التركيب. ولم يكتب قصيدة "مجانية". ولم يكتب مطلقاً قصيدة غامضة تعتمد التجريد أساساً في وصف عوالم داخلية لا طائل منها. إنما كتب على العكس من ذلك كلّه، وتكفي قراءة قصيدة واحدة للماغوط، للتعرّف دفعةً واحدة الى إنتاجه كلّه. فهو الذي كتب نصوصاً بلا وزن، لأنه لم يَنظر إلى نصوصه أصلاً في اعتبارها قصائد، قدر ما اعتبرها احتجاجاً صارخاً على واقعه البائس، فلم يتوقف يوماً ويدقق مطالباً بالانتماء إلى قصيدة النثر، بل هي التي أتت إليه. ولم يتعمد الماغوط خرق القواعد النحوية، كأن يقدّم الفاعل على الفعل، أو يضيف أداة التعريف إليه. بل أكثَرَ من اللجوء إلى أدواة النداء (أيها، أيتها، يا) في قصائده بصورة واضحة. وفي الأمر دلالةٌ على رغبة جامحة في استحضار مخاطَب حسيّ لا مجرد، ليس إلا الديكتاتور أو الطاغية، أو حذاء الضابط، أو الحزن:

 "أظنها من الوطن
 هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين
 أظنها من دمشق
 هذه الطفلة المقرونة الحواجب
 هذه العيون الأكثر صفاءً
 من نيران زرقاء بين السفن.
 أيها الحزن... يا سيفي الطويل المجعد
 الرصيف الحامل طفله الأشقر
 يسأل عن وردة أو أسير
 عن سفينة وغيمة من الوطن
(من "جنازة النسر").
لقد تحول هذا المخاطَب في نصوص الماغوط إلى موضوعات ثابتة في قصائده، على نحو كرر فيه دائماً تذمره منها وثورته عليها، بصورة أفضت في نهاية المطاف إلى إنشاء بصمة خاصة بالماغوط لا يمكن تقليدها أو استنساخها، لكثرة ورودها في قصائده. من هنا، لم يكن ممكناً أن ينجح "شاعر" جديد منتمٍ عن سابق قصد وإصرار إلى "قصيدة النثر" في إعادة تكرار ما هو مكرر أصلاً، وخصوصاً أن نجاح الماغوط في ذلك، يعود في الدرجة الأولى إلى عفوية بناء القصيدة وبساطتها من ناحية، وإلى أن الشاعر تكلّم فيها دائماً بصوت الفقراء والمهمشين بالطبع لا بالتطبع، وصوّر نفسه ضحيةً بامتياز لأنظمة القمع والاستبداد من ناحية أخرى. عند هذه النقطة بالذات استطاع الماغوط أن يكتب لا "قصيدة النثر" المترفة بتنظيرها، وإنما استطاع كتابة ذلك النص الذي يمس وجدان شريحة كبرى من الشعوب العربية، ليظهر كمعبّر حقيقي عن صوت الجماعة المقهورة وعمّا تختزنه من آلام ومآسٍ لمّا تنته بعدُ.
بيد أن تميّز الماغوط في إضفاء حسية واضحة على مخاطَبه، وتصويره بصورة مادية، من طريق أدوات النداء، لعب دوراً كبيراً في تحويل وجهة القصيدة نحو المسرح. ذلك أن النقاط المميِّزة أعلاه لنص الماغوط، أخذت أبعادها ومداها في نصوصه المسرحية الشهيرة التي نجحت في تربتها السورية، وبصورة أدق عند زواجها الأبدي بالممثل السوري القدير دريد لحام، قبل أن تعرف نجاحاً باهراً في المدن والعواصم العربية التي عُرضت فيها. وبعد، فإن النظر في نصوص الماغوط الشعرية منها أو النثرية أو المسرحية، يُبطن مفارقات تنبئنا ببؤس التنظير الذي استند إلى ألم السجين المعذب الفقير، ليجد "التوهج والكثافة والمجانية والإيقاع الداخلي"، ويدشّن أريستوقراطية "قصيدة النثر" بدلاً من أن ينتمي إلى النقد ويدقق في الألم الذي لا يطاق، الذي سمح للنص الشعري بالانطلاق بسلاسة نحو النص المسرحي، ليخاطب اثنين، طاغية لا يسمع، وجمهوراً يصغي إلى نفسه، إلى كلامه اليومي، ويرى قهره واغتصابه، فيبكي ويضحك من شدة البؤس.

بين الثورة المغدورة والشعر المنثور


بين الثورة المغدورة والشعر المنثور


سلام عبود


لا أحد في هذه البريّة الشاسعة يعرف الماغوط أكثر منا نحن معشر العراقيين.
أنا أعرف أن قولي هذا سيصيب كثيرين بالدهشة، إن لم يكن بالبَهت.
ماذا عن أمه؟
ماذا عن رفاق طفولته الحزينة؟
ماذا عن زوجته، وهي شاعرة مثله؟
ماذا يقول زكريا تامر الذي كان يزوده بعض معارفه في سجنه؟
ماذا يقول الذين نشروا أول قصيدة له، والذين تبنّوه شاعرا قبل أن يفطن هو الى معاصي الشعر الخفيّة؟
ماذا سيقول زملاء مجلة "شعر"؟
ماذا عن دارسي حياته وأدبه؟ وماذا عن الأصدقاء والأعداء والأعدقاء؟
كثيرون سيصابون برعدة وهم يجدون أنفسهم قد سُلبوا حق معرفة الماغوط، أو، لنقل، حق مجهولين في معرفة بعض أسراره الصغيرة والكبيرة؟
وكيف يحق لمن لم يقتربوا منه أن يجدوا في أنفسهم الجرأة على احتكار حقائق الشاعر الخفية؟
على الرغم من هذا كله، أعود فأقول جازما، مكابرا: لا أحد في هذه البريّة الشاسعة يعرف الماغوط أكثر منا نحن معشر العراقيين.
حينما تعرفت الى الماغوط في أواخر النصف الثاني للستينات، كنت طالبا في كلية الآداب. كان عمري ثمانية عشر عاما. لم أعرف حينذاك عن سجنه، ولا عن طفولته، ولا عن قصيدته الأولى. لكني كنت أحمل في روحي "
ملفا ضخما عن العذاب البشري". ولسبب ما، كنت أنوي رفعه الى الله حالما أنهي كتابته. لا أدري إن كنت فعلت ذلك أم لا، ولا أدري إن كان الله استقبله مني أم لا، والأكثر أهمية أني لا أعرف حتى هذه اللحظة بأي اللغات كان يتوجب عليَّ كتابته، لكي يستطيع ذلك الذي في الأعالي أن يتواصل معي في متعة قراءته.
ملاحظة عابرة: كان الماغوط شكاكا في ما يتعلق بألغاز اللغة الوحيدة التي يجيدها. ولفرط هوسه بها، كان يظن أنه أقدر حتى من الخالق عزّ وجلّ، على فك أسرارها.
من هنا بدأت معرفتي بالماغوط. صديق ما، أرجّح أن يكون الصديق الشاعر عبد الحسين الهندواي، هو الذي وضع في يدي ديوانا هزيلا، منسوخا بخط اليد، ملفوفا بجريدة رياضية، وقال لي هامسا:
- كن حذرا كما اتفقنا! ولا تخبر أحدا أني من زوّدك هذا!
لم أخبر أحدا. لكني حفظت الأحزان التي كُتبت في ضوء القمر عن ظهر قلب، ورحت أرددها على كل من أختلي به، حتى بتّ أظن، لسبب خفي، أني منشور سري حي، منشور محظور، جريمته الكبرى أنه يقطر شعرا خالصا.
ذلك كل ما أذكره عن الماغوط وبداية صلتي به، التي تجعلني الآن أشك في وجود كائنات أخرى غيرنا، نحن معشر العراقيين، يعرفه أكثر منا، وعلى أقل تقدير يعرف ملفات عذابه، عذابنا، السرية الضخمة.
لسبب خفي أيضا، لم أكتف بحفظ قصائد الماغوط. كنت أضع الديوان الصغير المنسوخ تحت ملابسي وأمشي بمعيته في الشوارع. وفي شارع الرشيد، شارع التبّضع البغدادي، كنت أسير وأراقب بحذر تام شبح صورتي المرسوم على الواجهات الزجاجية للمخازن التجارية، لأعرف إن كانت هيئتي تشي بأني أحمل ملفا ضخما عن العذاب البشري بين طيات ملابسي وفي ثنايا روحي.
كنت أسير بين أعمدة البنايات ولا أرى الناس. لأني كنت مشغولا بأمرين: ملف الماغوط الضخم، ومصير بطل مالرو في "الوضع (أو المصير) البشري"، الذي كان يمشي معي بحزم وثقة، يبادلني، رغم لغته الصينية، قراءة كلمات الماغوط، ويعدّ معي، سرا، عملية تفجير هائلة، هدفها قلب موازين العالم رأسا على عقب.
ففي اليوم نفسه، الذي تسلمت فيه ديوان الماغوط، سلّمني التنظيم المسلح مجموعة وثائق نظرية عن طرق إعداد قنابل محلية الصنع. بعدما ألححت كثيرا على رفاق التنظيم وأقنعتهم بأني مسكون بعمليات التفجير.
كانت مشكلتي الكبرى أني لا أملك مسدسا، والأهم أني لم أر في حياتي مسدسا حقيقيا، عدا تلك التي رأيتها في الأفلام، وتلك التي يملكها جهاز القمع المتوارث في بلادي.
بيد أن مشكلتي الأضخم كانت أني كنت مقسّما، كرغيف الفقراء، بين الثورة المغدورة والشعر المنثور. فخسرتهما معا، بالضبط كما ربحهما الماغوط معا.
فمن يعرف الماغوط أكثر منّي، ومنّا؟
ومن يعرف أرباحنا وخسائرنا، الظاهرة والمستترة؟
لا أحد يعرف ذلك غير ذلك الذي أعددنا له، يوما ما، ملفنا الضخم عن العذاب البشري، وكنّا نأمل بصدق فطري أن لا يكون أميّاَ.

لهذه الأسباب لسنا أيتامه


لهذه الأسباب لسنا أيتامه


ماهر شرف الدين


فعلها الماغوط. أفرغُ من كتابة هذه الجملة، وأستمهل إشارتَي تعجب واستفهام. بالطبع، كان الماغوط ميتاً منذ زمن. لم ننتظر اتصالاً هاتفياً، أو خبراً عاجلاً من وكالات الأنباء، كي نتأكد من موته. لقد مات الماغوط قبل ذلك بكثير. مات لحظة لم يعد يرى دمشق امرأةً تضطجع في دفتره كفخذين عاريتين. لقد مات منذ أن طالب شامه الحديثة بأرصفتها القديمة. لم يخرج الماغوط في تظاهرات بلاده، بسبب ترتيبها، كما يقول: تظاهر على أوراقه. لكن علبة الثقاب لم تفارق جيبه، لإشعال السجائر، وإشعال ما كتب. صحيح، كان الماغوط مستعداً دائماً لاستعمال علبة ثقابه (استعملها؟). وكان على الدوام لا يجد ميزاناً أفضل من كفّ يده ليزين فيها قضاياه. حمل الماغوط قضيته كالكنغر في جيب أمامي. زانها في يده، وقذفها برجله، وبكاها. الصحيح، أن ما أخّر هذا الصعلوك الغابر عن قبيلته هو بالضبط ما جعله شاعراً كبيراً: فردة حذاء دائمة في يد الماغوط. حملها في شعره، وفي حياته. واصطحبها إلى بيروت ودمشق والسلميّة. فردة حذاء حسبها أحياناً للعسكر، فغنّى فلسطينه. وخالها أحياناً أخرى للشرطة، فغنى حرّيته... لكنها كانت فرده حذائه هو. كان الماغوط ساندريلا نفسه. حمل حذاءها بيده، وقطع البلاد بحثاً عنها. بالطبع، لم يجد الماغوط ساندريلاه. وفي اللحظة الأخيرة من حياة زوجته الشاعرة سنية صالح كان يقبّل قدميها المثقوبتين من كثرة الإبر، ولا يجرؤ على تجريب الحذاء فيهما. كان الماغوط يخاف أن يجد ذاته، أن يعثر عليها، أن يلمسها بيده. كان يخاف إنهاء تسكّعه. ولأنه كذلك، دقّ الأبواب بقبضته المتعبة، والأشجار بمساميره الكبيرة. كان شحاذ أوطان من دون منازع. كان يقول: أبحث عن وطن، وكان يبحث عن نفسه. نتذكّر ما كتبه للسيّاب في موته. نتذكر تلك الجملة التي "تومض كالنسر": "تشبّث بموتك أيها المغفّل". لم يتشبّث محمد الماغوط بموته، كما طالب رفيقه بذلك. لكن الميتة نفسها انتظرته. طالب الآخرين بالتشبّث بموتهم، وتشبّث هو بالمرض والويسكي. "كنتُ أول من يبكي ويصرخ أثناء التحقيق"، قال. ولم نعتبر ذلك اعترافاً: جبناً يُحسب عليه، أو شجاعة تحسب له. كان الماغوط شاعر الرايات المنكسة، والجيوش الجالسة قرفصاء. وكان شاعر الرغبات بلا منازع، والهزائم بلا منازع. لم تهزمه القضايا الكبرى، كما هزمته فاتورة الكهرباء والهاتف. استعمل محمد الماغوط مكانس الزبّالين في تنظيف أحزانه وأشعاره، وفي ضرب أمّته على عجيزتها المضحكة. وكان الماغوط أبا الكثيرين منّا. كان أبانا. ولأنه تنصّل من أبوتنا، لم نصبح أيتامه حين مات. عقوقنا له كان أفضل طريقة للردّ على أبوته، لردّ جميله، والعرفان بفضله. ظلم الماغوط نفسه في أعمال كثيرة، صحيح. وكتابات كثيرة، وتنازلات كثيرة. الأرجح، لأن علاقة الكلمات بعضها بالبعض كعلاقة الأخ بأخته، وهما نائمان في فراش واحد، كما قال يوماً: كل حركة منهما تفسَّر. لذلك، ربما، أكثر الماغوط من "الحركة" في سرير كلماته. أكثر من الشعر الحرام، والحزن الحرام، والوطن الحرام. بذهنية البغيّ قبل المداهمة، كتب أشعاره ومسرحياته، "كلما تحرّكت ستارة أو قُرع الباب سترتُ أوراقي بيدي". لقد كتب الماغوط عن وطنه، كما كان سيكتب الجائع، لو أتيح له، عن رغيفه، وكما سيكتب المحروم عن فخذ بيضاء لامرأة ترقص على الطاولة. كتب برغبة من يريد، ومن لا يملك. رغبة بأسنان طويلة، وأظافر طويلة، وحاجبين طويلين. ولطالما اعتقدتُ أن الماغوط لا يكتب إلا والدموع تملأ جرّتَي عينيه. عاش الماغوط أيامه الأخيرة مع كؤوس الويسكي وأعقاب السجائر. عاش مع أشياء لا تحمل هوية في سحنتها، أو بطاقة شخصية في جيب قميصها. مع ذلك، لم يُنزل سبّابته التي رفعها كتلميذ في وجه وطنه. بقي الماغوط رافعاً سبّابته حتى اللحظة الأخيرة، حتى تحقيق مطلبه. لا يكون المرء حيادياً حين يرثي محمد الماغوط. أقول، لا يكون حيادياً، ولا يكون مرتاحاً. يرعبني أن يموت محمد الماغوط، ولا يتغير شيء في العالم. يرعبني أن يموت الذي أصاب وطنه بالدوار، من دون أن نشقّ ثوباً عليه. كتب الماغوط أجمل قصائده، وإصبعه على الزناد. وارتجل وطنه، على مثال ما ارتجل قصائده، قبل أن يوصي به لأول قاطع طريق. هكذا لن يغرب عن بالي قوله في لقاء تلفزيوني إنه لا يكتب الشعر إلا على ركبته: لم يكن التسكع والسفر الدائمان، وما ينطويان عليهما من معاني العجلة وسباق الزمن، هما وحدهما يجعلان شعر الماغوط غير مرتاح إلى طاولة الكتابة، أو إلى ما يشبهها من وسائل الاستقرار والطمأنينة، لكنها أخلاق الخبز: حينما تكون الركبة طاولة الرغيف وطاولة الكتابة. لم يأكل الماغوط، وأبناء جيله من الفقراء، الخبز على الطاولات. هكذا تناول الماغوط الشعر والخبز من القمة نفسها، ركبته، قمته الواطئة والعالية، والتي ليس لعلم أو راية غزوها. ركبته - قمّته: مسقط شعره. لا بدّ لمن قرّر قراءة شعر الماغوط من آخر دواوينه، "البدوي الأحمر" (دار المدى)، أن يظلمه، على مثال ما ظلم الماغوط مسرحه حين جعل من مسرحية "قيام جلوس سكوت" آخر مسرحياته. لكنا، إذ نقرأ كتابه هذا، ونعيد قراءته، فإنما ليقيننا أننا لن نعدم تلك الأنا المتسكعة، التي أبى الماغوط أن تكون ربطة العنق في شعره. أصرّ الماغوط في آخر أشعاره على سؤال أمّهات الكتب عن مصير مؤلفاته "المتواضعة"، كما سمّاها. أراد أن يعرف على أي الرفوف سترقد، وأي الأضواء ستُسخَّر لها. ولأنه تخلّى عن حلمه القديم (وطن محتلّ يحرّره، أو ضائع يعثر عليه)، أجاز لنفسه السؤال عن كَنَبَته في صالة التاريخ. هل أراد الماغوط فعلاً إنهاء تسكعه في مكان وثير؟ أسئلة لا نملك جرأة الادعاء على امتلاك أجوبتها. أسئلة لن تصبح في رسم المستقبل، أو في رسم البيع. لم يقلع الماغوط عن التدخين، بالرغم من معرفته أنه قاتل لمن يعاني ضعف تروية في القلب. لم يقلع الماغوط عن التدخين، ولم يقلع عن مرضه أيضاً، وعن قلمه. لا يشبه إصرار الماغوط على الكتابة إصرار صباح على الغناء. قطعاً لا. وقطعاً لا يشبه إصرار المنتحرين. شعر الماغوط كان صنو سعاله: مظهر من مظاهر شيخوخته، كما كان في الماضي وجهاً من وجوه شبابه. أتذكر، قبل عام ونيّف، أننا استعرنا، في رثاء ممدوح عدوان، الكلمة التي قدّمه بها محمد الماغوط. استعرنا تلك المقايضة التي عقدها الماغوط بينه وبين صديقه: سعاله، مقابل الشَعر المتساقط من رأس صديقه المصاب بالسرطان. اليوم أفتّش في تلك المقدمة - القصيدة، علّني أقع على ما ينقذ مقالتي هذه، على جملة تتنبّأ بموت يأتي، أو رحلة أبدية. على الدوام نحن نبحث، بعد رحيل كل شاعر، عن تلك الجملة، أو الجمل، التي سنلقيها في وجه القارئ، ونقول: إقرأ (تباً لمالك بن الريب). تلك الجمل التي تجعل راحلنا رائياً كبيراً، يرى موته قبل الآخرين. "وإذا خطرت لك زيارتي، يقول الماغوط مخاطباً عدوان، حيث أقيم/ فعلى الرحب والسعة/ فإذا لم أكن موجوداً/ فسعالي يقوم بالواجب وأكثر (...) لأنني قد لا أعود أبداً/ فمدينة لا يوجد فيها مريض نفسي أو عقلي حتى الآن/ لن أبقى فيها دقيقة واحدة". صحيح أني وجدتُ الذي يخوّلني الصراخ في وجه قارئي: إقرأ. وصحيح أني أستطيع أن أشفع هذه الجمل بما قاله سابقون، ولاحقون، عن أن الماغوط هو قرين الشاعر الرائي رامبو، لكن ما الفائدة، أقول، وأعفّ عن فعل ذلك، ما دام صاحب الرؤيا يجزم بأن كل فلاح عجوز يستطيع، وهو يدرّج لفافة التبغ بين يديه، أن يروي كل تاريخ الشرق في بيتين من العتابا. غالباً ما أشعر أني أمام منجم حين يقع بين يديّ كتاب للماغوط. نعم. هو منجم شعريّ من أمنيات كثيرة وخائبة: تمنى الماغوط أن يكون حصاة ملونة على الرصيف، أو أغنية طويلة في الزقاق. وتمنى أكل النساء بالملاعق. تمنى الماغوط، وما أكثر ما تمناه. لكن هذه الأمنيات لم تأخذ استحقاقها الشعري بغير خيبتها. الخيبة مطهر الأمنية لتكون شعراً؟ العكس ليس صحيحاً بالتأكيد. كتب الماغوط خيبته حتى لم يعد يميّز قلمه من أصابعه. لكن الذي أنقذ شعره "المباشر" من نفسه هو أنه مكتوب بدموع فوسفورية. شعر فوسفوري، هو أكثر ما أستطيع الوصول إليه في وصف شعر الماغوط. وذلك ما يصدّق القول إننا أمام منجم: كلمات تلمع وتومض وتبرق. لقد خرج محمد الماغوط على آداب الشعر العربي، في كل شيء. لم "يحترمها"، وخصوصاً في تحويله الهزائم انتصارات شعرية. هزائم ظافرة، هي هزائم الماغوط. في الشعر، فقط، يغدو للهزيمة تاجها وإكليلها. كثرٌ هم الذين كتبوا عن كاف التشبيه في شعر الماغوط، وقالوا إنها السرّ. وكثرٌ قالوا الواو الثالثة. وآخرون قالوا صوره الموحلة. وغيرهم قال. لكن... لا يعطي الماغوط مفاتيح شعره لأحد، لأن الهزيمة لديه أمر شخصي، وسرّ شخصي، وامتياز شخصي. ميدالية مفاتيح شعر الماغوط بقيت معه. لذلك لا توجد كلمة في اللغة العربية غير صالحة للاستعمال لديه: "الكل مطلوب الى الخدمة".
فعلها الماغوط. نعم. فعلها: زان فردة الحذاء بيده. رمقها بطرف عينه. حرّك أصابع قدمه اليسرى المتورّمة، والنافرة من جورب عتيق.
- لبسها؟
- لا.
- قذف بها إلى النهر؟
- لا.
أهداها لأول إسكافي صادفه في الطريق.
فعلها الماغوط: مات، ولم يجد ساندريلاه .


الشعرية المتوحشة


الشعرية المتوحشة


عقل العويط


ليس من سبب يدعو شاعراً من طراز محمد الماغوط الى أن يتعمشق بالحياة ويحافظ عليها. كل الأسباب تدعوه الى العكس: أي الى استفزاز الحياة والمناداة بقتلها. ليس من سبب البتة، ومطلقاً، ينبغي له أن يحمل شاعراً كهذا، يولد عارياً ويغادر عارياً، على حماية "الحياة الكلبة" (التعبير لأنسي الحاج) من الموت، بهدف أن يحيا أكبر قدْر ممكن من الأيام، ويحظى بأكبر قدْر ممكن من هول العيش المفجع. الأحرى أن الأسباب كلها كانت قد توافرت له ليكون في الموقع الضد وليفعل العكس، وبوحشية استعراضية تضاهي وحشيتيه، الإنسانية والشعرية. هو، في كل الأحوال، لم يقصّر في ذلك، البتة، وربما وفّى قسطه الانتقامي حين نذر يومه، وكل يوم، وشعره، وكل شعر متواطئ معه، وفي آن واحد، للثأر من هذه الحياة، بالحياة نفسها. وبالكلمات.
هو منذ أعوام كثيرة، ربما منذ ولادته "الملعونة"، عام 1934، قرر أن يشنّ الحرب على هذه الحياة، وأن يصليها النيران الحامية، وأن يقذفها بالحمم والشظايا، وأن يخربط لها البوصلة لتصاب بالجنون، ولتهستر الجبال والأنهر والمنبسطات من الأراضي، والبحر والقفر. ومنذ ذلك الزمن، بل منذ أول الدهر، قرر، ولربما قبل تلك الولادة، أن يمزق للحياة الدساتير والأعراف، وأن يبصق لها على القوانين، وأن يجعلها تحت قدميه العاريتين والموحلتين، وأن يمشيها مثلما تمشي العاصفة تحت العاصفة.
لم يترك محمد الماغوط سلاحاً "معنوياً" إلاّ استخدمه في حربه تلك. كان مؤمناً بالنظرية الآتية: قاتلاً أو مقتولاً. بل بالنظرية هذه لا بسواها: قاتلاً الحياة لينقتل بها لأنه قتلته بالولادة.
بالأسنان حارب الحياة، وبعينيه. وأكثر أكثر: بجسده العاري، وبقلبه العاري، وبروحه العارية. بل أكثر أكثر وبدون هوادة: بالكلمات العارية. بالنثر الذي يجعل النثر شبيهاً لا بذهب السهول في الصيف لكن باللعنة. وبالشعر الذي يهزأ بالشعر ويعطيه موهبة أن يصير شعراً. وبدون انتباه. بفطرة الزهرة التي تنبت في البراري، وتعيش. بقوة الموت الذي فيها. وبسلطة الغريزة الحياتية. وبكبرياء الجهل. وبالأمية التي تجعل الحياة تحيا وحدها، وبقوة نفسها. ولا تحتاج الى حماية.
تماماً، على طريقة الحب الذي يولد بدون جهد. وبدون ملاحقة وتعقّب ومطاردة. أي فقط بـ"الصدفة الموضوعية"... السوريالية. كما التقاء الصدمات الهائلة التي تصنع لغةً في العيون، أو أثلاماً باكية في الصحراء، صحراء الوجدان، وفي كل صحراء. أو تلك التي تصنع شيئاً يشبه الكهرباء والنار والعاصفة. او التي توقف القلب عن الخفق. أو تلك التي تجعله، يا للهول!، تجعله يعود عودته المفاجئة من موت لم يكن مقدَّراً له فيه أن يموت.
محمد الماغوط هذا، شاعر وُلد شاعراً وعاش شاعراً ومات شاعراً. هو شاعر الوديعة. وهذا يكفي.
لم يقرأ. حتى ليبدو لي أنه لم يكن في حاجة الى أن يقرأ ليعرف. فقد قُرئ له قبل أن يولد، وحين ولد، ولد قارئاً وعارفاً ما يعرف، وشاعراً ما يشعر به، ورائياً ما يراه، وقد كتب ما أعطي إياه فقط. وعندما طال به المقام والمقال، وقع في "نثر" النثر الذي كان كتبه. وهنا، بالذات، وتحديداً، يحمل هذا الشعر أسباب حياته، متوأمةً مع أسباب الأخطار المحدقة فيه. وهو، في عتمة اللغة وتجاريبها، قد لا يستطيع أن يظل يقاوم طويلاً أهوال التحديات الليلية والباطنية، التي تمثل أمام اللغة بعد استتباب قمر "القول الأول".
لم يذهب محمد الماغوط الى العمل ولا الى الأشغال الأدبية الشاقة ليصنع لنفسه أدباً ويبني لغة ويرفع مقاماً شعرياً. أنصنع أدبه معه كأنه مصنوع سلفاً، وانبنت لغته به كأنها مبنية سلفاً، وارتفع مقامه الشعري من تلقائه كأن الشاعر يرتفع من تلقاء الغريزة الفطرية ليس إلاّ. كاجتماع هذا الجسد بهذه الحياة، وكاجتماع هاتين العينين بهذه النظرات، وكاجتماع هذه اللغة بهذه الكلمات.
هذا شاعر ولد شعره معه وعاش معه، وأكاد أتجرأ فأقول إنه سيعيش وحده كنيزك أفلت من الجاذبية، وإنه لن يستطيع أن ينجب، لأن الإرث المتوارث لن يستطيع الأصل، ولن يطوّره، أو يتخطاه. فمثل هذا الشعر لا يتطور، لأنه يولد بهذه الطريقة، ولا يذهب بعد الآن الى قعر لأنه في القعر. فليس فيه بعد الآن من البواطن غير المكتشفة، لأنه خرج من المنجم حاملاً معه الذهب والغبار، والكثير الكثير من الأسمال والوحول. وهذا ليس مذمة. إنه موهبة. ويقع في باب الوصف والتقريظ، وحسب.
وعندما تكون أمام شاعر، كهذا الشاعر، وحيال أمية كهذه الأمية، من الجهل أن يطالب المرء شاعراً أكان أم ناقداً أم قارئاً بغيرهما. بل من العته مناهضة هذا النوع من الشعر والشعراء لأن في النوع شيئاً يشبه الصدفة النادرة. او الكنز.
وفي كل الأحوال، هو، أي محمد الماغوط، ليس صالحاً للعلم والتعلم، لأنه صالح فحسب لهذه الأمية الشاعرة. ولو تعلّم، بمعنى أنه لو اشتغل شعرَه، بالثقافة، وصرف عليه ما يصرفه الشعراء على أشعارهم من غرائز وحدوس لتصير قصائد، لكان فقد سرّ هذه الموهبة الكبيرة، المنذورة للفطرة الحياتية واليومية فحسب. والشاعر حين يكون هكذا فإن الشعر لا يسمح له بالتعلم لأنه يُعطى له مرةً واحدة. ينزل فيه هذا الشعر نزول اللعنة في الضحية، أو نزول الربيع في الزهرة. وهذا، أيضاً، يشبه نزول اللون الأزرق في العينين. وكله ليس مدعاة للأسى أو للتألم إنما للدهشة المزهوة أو المنصعقة. حتى ليجب على المرء أن يقول حيال مثل هذه الصدفة: يا للقدر الجميل. أو يا للهدية التي تشبه الجوائز الكبرى!
وأمام موهبة مفطورة على الشعر كهذه، يكاد يقول المرء، أحياناً، ليت البعض لا يتعلمون تهذيب الشعر لأنهم يقتلون موهبته. وليته، الشعر، لا يسمح لهم بذلك. وليتهم يكونون أميين، على طريقة الأمية الموهوبة، وإن بلغات وأساليب مختلفة، أو مناقضة، أو ضدية.
كنت أتحدث قبل قليل عن قتل الحياة، أو حتى عن الحياة القاتلة. وفي الحالين، عن محمد الماغوط الذي قتلته الحياة حين أنجبته، فصرعها بشعره، وبحياته الشاعرة، وهذه هي أيضاً فجيعته. نعلم أن هذا المتوحش الغاباتي إنما هو صالحٌ للغابات وللعيش فيها. أقول الغابات، وأعني الأرض البدائية، وكل أرض بدائية. فهناك تحيا الفطرة الكاملة، وهناك ترسل شموسها وأقمارها لتعيث الفساد الجميل في تلك الأرض. وهو، أي البدائي، يكون "مصنوعاً"، بل منذوراً للعيش فيها. وعندما يقيّض له - أو يُجبر على ذلك - أن يخرج من تلك الأرض البدائية، الغاباتية، يكون كمن يُزاح قلبه من قفصه الصدري فيعيش بلا قلب أو بلا صدر. هذا تماماً، ما أحاول ان أقوله عن شعرية الماغوط وعن حياته الشعرية، وهذا ما أحاول أن أتوصل الى استنتاجاته اللاحقة. هو خرج من الأرض البدائية، حاملاً جسمه البدائي، وقلبه البدائي، وروحه البدائية، ولغته البدائية، ومفاهيم الغابة حصراً، ليعيش في المدن ولغات المدن وأرواحها وأجسامها وقلوبها، وفي مفاهيمها المضادة. هناك، إذاً، ستقع الواقعة التي ما كان لها أن تقع لو أن هذا العصفور المتوحش بقي متوحشاً في غابة متوحشة. وفي الخروج من الفردوس، كيف يؤتى للفردوسي أن يحيا في الجهنمي؟ وكيف يستطيع، وهو الخارج من هوائه الطبيعي، أن يتنفس هواء اصطناعياً؟ وكيف يستطيع، وهو المصنَّع في الأصل ليعيش في الغابة المتوحشة، الحنونة، المخلصة، الطيبة، الرؤومة، الغنية، اللذيذة، والكاملة، أن يُحرَم العيش في الرحم ويُنقَل للعيش في الغابة المضادة، الغابة المدجنة، القاسية، الخائنة، الكاذبة، الفقيرة، النتنة والناقصة؟
كيف يستطيع امرؤ كهذا، وهو منتزَعٌ انتزاعاً من مكان إقامته، أن "يتعايش" مع شعوب وبلدان هم غرباؤه ونقائضه؟ وكيف تستطيع الغابة الأولى أن تحيا في الغابة الثانية، التي هي في الواقع الفعلي للأمور، متوحشة لكنها تزعم "مدينيتها المدجنة"؟! وكيف يستطيع هذا الشخص الشاعر أن يوائم بين الأصل الذي كان عليه، وحيث كان، وبين هذا اللاحق الذي صار اليه، ويعيش فيه؟
في قلب هذه المعمعة الهلاكية، في خضمّ هذا النزوح القدري، تحيا الواقعة الشعرية الماغوطية. وعلى وقع هذه السنابك، ذهب الشاعر بعيداً في التدمير الذاتي، وفي التدمير الشعري، الى حدّ أن الحياة نفسها، الحياة المدينية خصوصاً، صارت تناديه وتستغيث به كي يفرج عنها ويحرّر لحمها من براثنه، بعدما أثخنه تنكيلاً وجروحاً.
وهذه أيضاً كانت حال الشعر معه.
كالوحش، أنشب مخالبه فيها، هذه الحياة، وكالإنسان البدائي. وإذا كنا نراها قوية، فليس ذلك سوى على سبيل وهم الرؤية أو غبش القلب والعقل. لا، لم تكن الحياة قوية لتصرعه. كان هو متوحشاً فالتهمها. وكان هذا المتوحش هو الأقوى. لأنه كان ضحية. وهل من قوة أشرس وأوحش وأدهى من قوة الضحية التي تفترس نفسها وحياتها وكلماتها؟
توافرت لمحمد الماغوط الأسباب الجوهرية والأساسية كلها ليكون ما كأنه، وليكون: لعنة الولادة تحت سماء ملعونة وزرقاء، لعنة العيش، ولعنة الشعر. ثم الأسباب الثانوية الأخرى: الفقر، الجوع، التشرد، الوطن، الأهل، المدن، الديكتاتورية، السجن، المخابرات، التخلف، الهزيمة، اليأس. فضلاً عن "الديكتاتوريات" المضادة: الحلم، الخيال، الثورة، الرفض، الشتيمة، السخرية، الحب، الجنس، الكحول، التدخين. ونهم العيش. والعيش النهم. وبكامل الجسد البدائي. وبكامل وجدانه. وبروحه. وكل الشعارات "الموضوعاتية" التي يمكن رفعها في مثل هذه المناسبة.
هل تنحاز الى هذا النوع من الشعر، يسألني سائل؟ ثم يسأل: ألا تخاف عليه، من نفسه، ومن مريديه؟ ومن مشقات استمراره في الحاضر الموصل الى الغد ومفاجآته؟
بل أحبّ هذا الشعر حباً عظيماً، وقد قرأته مراراً. وسأقرأه أيضاً. وأرى فيه ما لا تستطيع تجارب أخرى أن تجاريه في ميدانه، مهما كثرت ثقافاتها وعلومها وخبراتها. فهذا شعرٌ يستطيع أن "يصادر" الوجدان الشخصي والجماعي، ويحرره في الكلمات. وهو شعر - وديعة. بل نيزك أفلت ضؤوه من سرّ الجاذبية.
فماذا نريد أكثر؟! .


محمد الماغوط الشعر ليس مهنتي


محمد الماغوط الشعر ليس مهنتي


النهار الثقافي
(لبنان)

محمد الماعوظفي آخر الزمان الأدبي، عندما يهجم الليل ويذهب الجميع الى مناماتهم، ويغادر الشعراء الى كتبهم ورفوفهم، قلائل من هؤلاء الشعراء سيظلون أحياء يُرزقون. منهم الذين رأوا ما لم يُر من قبل، ومنهم الذين نزفت أحلامهم ما لم يُنزف من قبل، ومنهم الذين كتبوا ما لم يُكتَب من قبل. هؤلاء، أكثر من غيرهم، سيظل شعرهم حياً لأنهم وسطاء المعرفة الوجدانية النبيهة، وهي لدينا، نحن الأدباء، أرفع أنواع المعرفة وأبعدها منالاً.
محمد الماغوط الذي مات منذ أيام (1934 - 2006)، سيكون واحداً من هؤلاء. لا لأنه فيلسوف عبقري أو مفكر عالم وعظيم، إنما لأنه شاعر.
تنطبق صفة الشاعر على محمد الماغوط كأنه يرتديها. بل كأنها ترتديه. وخصوصاً لأنه كان فريداً في سلطته على استدعاء الشعر الشعر حتى في النثر العادي واليومي والمباشر من لغة الحياة والأشياء الماثلة أمام العيش.
خرج الشعر من أحشائه الممعوسة بطفولات الألم والوجع والفقر والتسكع والديكتاتوريات السوداء، فظاً وليّناً، مدهشاً وسهلاً وممتنعاً، كما يخرج ضوء من حزن في قصيدة. من صحراء حياته أطلعَ الأخضر اليانع، كمن يُطلِع ماءً سلسبيلاً من قبر. يكفيه أنه كتب ديوانه الأول، "حزن في ضوء القمر"، الذي كضربة نرد. ويكفيه أنه اتبعه بديوانيه اللاحقين، "غرفة بملايين الجدران"، و"الفرح ليس مهنتي"، لكي ينتمي بقوة الى تلك الحزمة الباهرة من الشعراء الذين دوّخوا اللغة الشعرية العربية، وناموا معها فأنجبت منهم، ونقلوها من حيث لا يصلح يباسها لإشعال نار الى حيث يجدر بها أن تشعل الحياة برمتها.
أعماله الأخرى، مسرحاً وقصائد ومقالات، تتفيأ كلها تلك السماء، سماءه الشعرية الأولى، وتنسج على منوالها. وإذا أجزنا لأنفسنا أن نحرّف عنوان ديوانه، "الفرح ليس مهنتي"، لقلنا إن مهنة هذا البدوي الخارج من "العدم"، هي غريزته شاعراً. "الشعر ليس مهنتي"، سنجعل محمد الماغوط يقول ما نقوله عنه، ونضيف توضيحاً: "الشعر ليس مهنتي لكنْ غريزتي".
هذا الشاعر الذي قرأنا قصائده، ونحن فتية، وفي ما بعد، مثلما يلتهم الجياع أرغفة الخبز، بل مثلما يفوز المرء بالمرأة التي يشتهيها سواه، كل الذين سواه، نقدّم في هذا العدد، لقرائه، القدامى والجدد، ملفاً يتضمن قراءات لأدبه ومختارات من شعره، كي إذا قرئت، يكذّبنا القراء فيقولون: بل كان الشعر مهنته. وهي مهنة لا تنتهي بالموت!

"الملحق"

Tuesday, December 28, 2010

مختارات شعرية


مختارات شعرية

محمد الماغوط

المرأة التي أحلم بها
لا تأكل و لا تشرب و لا تنام
إنها ترتعش فقط
ترتمي بين ذراعيّ و تستقيم
كسيف في آخر اهتزازه

* * *
آه. . . أين هؤلاء النسوة الرخيصات
من صبايانا القاسيات الخجولات
حيث لحمهن قاتم و مريح
كسرير من مطر
كسرير من الدمع و المطر
حيث القش و الندى و السمّاق
يفور من حلماتهن
كما يفور الدم من الوريد إلى الوريد

* * *
المرأة هناك
شعرها يطول كالعشب
يزهر و يتجعّد
يذوي و يصفرّ
و يرخي بذوره على الكتفين
و يسقط بين يديك كالدمع

* * *
النهد هناك
مجهول و عائم كالأحراش

ينفتح أمامك . . . كغيمة
كغيمة يخترقها عصفور
أينما ذهبت في الفضاء الواسع
كروم و ينابيع و أمطار
حقول و نسيم و شرف
أما هنا
فللمرأة رائحة الدم و عبير المقصلة
النهد هناك صغير كالزهرة
و النهد هنا كبير كالرأس

* * *
كن وحيداً في الريف
بين القمر و الأكواخ
و خذ فتاتك الخجولة وراء الغدير
تحت شجرة
أو غراف تعشش فيه النجوم و العصافير
هناك تنفض عن نفسها الغبار
تغسل وجهها و ساقيها بالراحتين
تمد لك فراشاً من العشب و الخرز و صرر الطعام
و تنبض بين ذراعيك حتى الصباح
دون أن تلتقي عيناك بعينيها
قد تنال منها حتى أحشاءها
دون أن تلتقي عيناك بعينيها


***

أيها السائح
طفولتي بعيدة.. وكهولتي بعيده..
وطني بعيد.. ومنفاي بعيد
أيها السائح
أعطني منظارك المقرِّب
علَّني ألمح يداً أو محرمةً في هذا الكون تومئ إليّ
صؤّرني وأنا أبكي
وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق
وأكتبْ على قفا الصورة
هذا شاعرٌ من الشرق

ضعْ منديلك الأبيض على الرصيف
واجلسْ إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون
لأبوح لك بسر خطير
اصرفْ أدلاءك ومرشديك
والقِ إلى الوحل.. إلى النار
بكل ما كتبت من حواشْ وانطباعات
إن أيّ فلاح عجوز
يروي لك.. بيتين من العتابا
كل تاريخ الشرق
وهو يدرج لفافته أمام خيمته

من مجموعة (الفرح ليس مهنتي) 1970

محمد الماغوط مع التسكع والحزن والخوف

 محمد الماغوط مع التسكع والحزن والخوف



جهاد فاضل
(لبنان)


يمكن تعريف محمد الماغوط انطلاقاً من هذا الكتاب الذي يتضمن حوارات معه حررها خليل صويلح بأنه رجل صادق وحزين ومأساوي ولا يجيد التفلسف والتنظير كما يجيدها أدونيس، وهو عديله، على حدّ قوله. وهو يقول إن الحزن لم يفارقه منذ البداية، وربما لهذا السبب عنون مجموعته الشعرية الأولى: حزن في ضوء القمر. فحتى القمر وضوؤه لم يجعلاه يفقد إلفه القديم: الحزن. ولكن الحزن يقترن في نفسه بالخوف. الخوف؟ "إنه الشيء الوحيد الذي أملكه من المحيط إلى الخليج. ولدي في أعماقي احتياطي من الخوف أكثر مما عند دول الخليج وفنزويلا من احتياطي النفط!!"  ويضيف في صفحة أخرى: "ولدت مذعوراً وسأموت مذعوراً، أنا مسكون بالذعر، وأي شيء يخيفني، الأمة العربية لها أسس فريدة من نوعها.. جميع الأمم مقوماتها اللغة والتاريخ والدين، ما عدا الأمة العربية، فمقوماتها اللغة والتاريخ والدين والخوف. وخوفي طبيعي، وطمأنينة الآخرين هي المستغربة. والعربي الذي لا يخاف، أشك بعروبته!!..
ولد محمد الماغوط سنة 1934في مدينة تقع في شمال سوريا اسمها السلمية. وما يتذكره منها هو الوحل والبرد والأحلام والغيوم والأبقار والرياح. وقد هُدمت السلمية، كما يقول، منذ مدة وهي معقل القرامطة والمتنبي. "وقد يكون إحساسي المبكر بالظلم البشري اكتسبته من نشأتي في هذه القرية الحائرة بين الصحراء والمدينة، والمنقسمة إلى أمراء وفلاحين. وأعتقد أن ماركس كان ينبغي أن يولد في السلمية وليس في ألمانيا ليخترع نظريته في الصراع الطبقي!!".
ومن أطرف ما يذكره عن أهلها أنهم اقتتلوا عام 1900بسبب دجاجة، وان حصيلة المعركة كانت يومها مئات الجثث.
أما أول صورة يتذكرها في طفولته بالسلمية، فصورة سماء شاحبة وسحب ورمال، "وحين كنت في السابعة من عمري، أطلقتني أمي لأول مرة خارج باحة البيت لأرعى الخراف فيما تبقى من المروج النامية مصادفة بين المخافر. وعند الأصيل عادت الخراف ولكن الراعي لم يعد!!"..
بداياته الأدبية كانت في السجن، وفي الحزب. "معظم الأشياء التي أحبها أو اشتهيها وأحلم بها، رأيتها من وراء القضبان: المرأة، الحرية، الأفق". والمعروف أنه انتمى في شبابه إلى الحزب السوري القومي: "حصل الأمر دون قناعة تُذكر، وربما كان الفقر سبباً في ذلك. فبالنسبة لفتى يافع وفقير مثلي، كنت بحاجة إلى انتماء ما. وكان هناك حزبان يتنافسان في السلمية هما حزب البعث والحزب السوري القومي. وفي طريقي للانتساب إلى أحدهما، اتضح لي أن أحدهما بعيد عن الحارة ولا يوجد في مقره مدفأة.
ولأني كنت متجمد الأطراف من البرد، اخترت الثاني دون تردد لأنه قريب من حارتنا وفي مقره مدفأة، وصراحة إلى اليوم لم أقرأ صفحتين من مبادئه. ومنذ أن انتهت موجة البرد الأولى لم أحضر له اجتماعاً، ولم أقم بأي نشاط لصالحه على الإطلاق، باستثناء مرة واحدة كلفوني بها بجمع تبرعات من إحدى القرى التي كنت أعمل في بساتينها.
جمعت التبرعات والاشتراكات واشتريت بها "بنطلوناً" وذلك وجه الضيف
".
ولكن الماغوط سُجن بسبب هذا الحزب مرتين. "صحيح إنني لم أسجن طويلاً، ولكني حين سُجنت في المرة الأولى، رأيت الواقع على إيقاع نعل حذاء الشرطي الذي كان يضرب على صدري. أحسست بشيء ما بداخلي ينكسر. ليس الضلوع، بل شيء عميق. وفي الزنزانة زارني الخوف وعرفني وأقام معي صداقة لازالت قائمة بداخلي حتى اللحظة. صار الخوف يسكنني، وهرب مني الأمان لآخر لحظة في عمري. الآن حين يرنّ جرس الباب، أشعر بالرعب. وحين يرن الهاتف، أتوجس خوفاً".
ويشبه نفسه بالسجين الذي ظل يحفر نفقاً في زنزانته لمدة عشرين عاماً، ثم اكتشف أن النفق الذي حفره، يقوده إلى زنزانة أخرى..
على أن هناك أموراً أخرى ترعبه ككاتب منها الورقة البيضاء، فكأنها إزاءها "
أمام سيبيريا من الجليد"..
ومن أطرف ما يرسمه صور لمجلة شعر التي لجأ إليها في شبابه الأدبي، وكذلك لأدونيس والخال والآخرين.
"
في لقاءات مجلة شعر التي كانت تتم أغلب الأحيان في بيت يوسف الخال، كنت أسمع الأحاديث عن شعراء وأسماء لا أعرفها مثل عزرا باوند واليوت وسوزان برنار. أنا لا أجيد لغة غير العربية، كنت أصمت خلال الحوارات والنقاشات، وعندما يحضر الطعام آكل.. وفي إحدى المرات قلت: لم نُبق أنا وفؤاد رفقة على شيء في البراد سوى الماركة...
ولم تكن تعنيه في شيء هواجس التجاوز والتخطي. "وكانت مشكلة جماعة مجلة شعر، استغراقهم بتحطيم السفينة، دون أن يفكروا بالغرق المؤكد. قل لأحدهم ثلاث مرات: المتنبي، يسقط مغميا عليه. بينما قل له وعلى مسافة كيلومتر: جاك برينير، ينتصب ويقفز عدة أمتار من الأرض وكأنه شرب حليب السباع.

ويقول انه لا يجيد التنظير مثل أدونيس، وان جماعة شعر كانوا يكتبون في المطلق، بينما هو حاول أن يسحبهم إلى الأرض بكل ما فيها من أرصفة وتشرد وحطام. "لكنني بقيت طارئاً مثل ضيف على طرف المائدة، وافترقنا لأنني شاعر أزقة لا شاعر قصور".
ويتحدث في هذه الحوارات عن قصيدة النثر التي يُعتبر أحد بُناتها أو مؤسسيها. عنده أن الشعر نوع من الحيوان البري، وان الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه. "أنا رفضت تدجين الشعر، تركته كما هو حراً، ولذلك يخافه البعض. واعتقد أن قصيدة النثر هي أول بادرة حنان وتواضع في مضمار الشعر العربي الذي كان قائماً على القسوة والغطرسة اللفظية. ثم ان قصيدة النثر مرنة وتستوعب التجارب المعاصرة بكل غزارتها وتعقيداتها. كما أنها تضع الشاعر وجهاً لوجه أمام التجربة وتضطره إلى مواجهة الأشياء دون لف وراء البحور، أو دوران على القوافي. ليس لديّ خلق لأبحث عن قافية وبيت!!"..
ويجيب عن سؤال حول نظرة جماعة "شعر" إليه: "البعض منهم قال إن محمد الماغوط ظاهرة عرضية سرعان ما ستزول، قالوا أيضاً انه بدوي فلاح، سيغني بضعة مواويل وينتهي أمره. أتذكر أن واحداً منهم قال العكس، ولم أعرف من هو إلى اليوم، لأني كنت جالساً في غرفة أخرى"..
ما يعني الماغوط أن يكتب بصدق في عصر الكذب السابق واللاحق. "واكتب بشجاعة في عصر الذعر السابق واللاحق. ومعركتي ليست وراء مكتب، أو في حلقة نقاد، أو وراء ميكرفون.. معركتي في الحياة. ولا أظن أن كثيراً من أساطين التجاوز والتخطي قد عبروها أو عرفوا شيئاً عنها منذ أن تخلوا عنها. وليس معنى هذا إنني شجاع بالمعنى الشعبي. فكثيراً من القصائد أو الزوايا الصحفية أرسلها إلى النشر من هنا، وأنام تحت السرير وقلبي يدق حتى يلامس بلاط الغرفة، ريثما تُنشر وأعرف ردود فعلها".

ويدلي برأيه في شخصيات أدبية كثيرة:
- مشكلة أدونيس أنه معلم في الشرق، وتلميذ في الغرب. ثم لماذا كل هذا التنظير للقصيدة، وماذا يعني القارئ إن وضعت كلمة أو حرفاً على يسار حرف، أو نقطة على خصر نقطة، إذا كانت السجون والمستشفيات والأرصفة تغص بروادها. أنا لا أحب القصيدة الفكرية، ولا أفهم شعر أدونيس.
- كانت طموحات يوسف الخال أكبر من طاقته، وهو كإنسان أهم من شعره بكثير.
- شعر نزار قباني المنفعل بالأحداث لا يختلف عن أي تصريح رسمي لأي مسؤول حكومي في العالم العربي. وهو في شعره الثوري كأنه ياسر عرفات أو المطران كبوجي. وهو في جلساته الخاصة كأنه بائع على بركات الله في جونية أو الأشرفية.
شاعر كبير بقضايا صغيرة.. واعتقد أن مأساته تتمثل في أنه لا يحب ولا يكره لذلك تبث الأزمات معظم أشعاره. مرة قال لي: أنت أصدقنا!

- محمود درويش شاعر موهوب جداً، لكنه غير صادق!
- كان السياب بسيطاً وصادقاً مثلي. كان يبيع الصدق ولا يشتري إلا الأكاذيب.
- البياتي بنى كل أمجاده الأدبية والسياسية على أساس أن جميع أجهزة الأمن في العالم تطارده، في حين أنه لم يدخل مخفراً في حياته، ولم يعترض طريقه ولو شرطي مرور.
ويصف الماغوط نفسه بأنه رجل ظلمات، رجل ظل. "في حياتي لم أجلس في منتصف الصف، في السينما أو في المسرح، أو على طاولة وسط المقهى. دائماً أنتقي ركناً منعزلاً عن كل شيء وأحدّق في الرصيف لأتأمل الأقدام الحافية، وسيارات الشبح في شارع واحد، كأن أشباح الليل والكوابيس لا تكفينا".
وفي كل حلم حلمه، وجد نفسه حافياً، ويصف نفسه بأنه بدوي يغني في أوركسترا الصحراء. في حين يصفه خليل صويلح، محرر حواراته، بأنه إمبراطور العزلة وأمير التسكع..


جريدة الرياض
03 April 2003.

حكاية الماغوط مع سعاد حسني


حكاية الماغوط مع سعاد حسني

صلاح حزين
(الأردن)


قبل أعوام، تعرض الشاعر الماغوط لهجوم كاسح من جانب عدد كبير من الكتاب المصريين، حين قال ردا على سؤال حول رأيه في الشعر المصري "ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني"
- قبل أعوام، تناقلت الأوساط الصحفية و الأدبية في مصر والعالم العربي، ما يفيد بأن
الشاعر والكاتب والمسرحي السوري محمد الماغوط أجاب في واحد من لقاءاته الصحفية النادرة، قال ردا على سؤال حول رأيه في الشعر المصري "ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني"
وقد أدي ذلك في حينه إلى ضجة كبرى ترددت في الأوساط الثقافية و الصحفية المصرية، وتعرض الشاعر الماغوط إلى هجوم كاسح من جانب عدد كبير من الكتاب والصحفيين والأدباء و الشعراء المصريين.
وفي لقاء أخير أجرته الصحفية والناقدة المسرحية المصرية، عبلة الرويني، و نشرته صحيفة "أخبار الأدب" المصرية، سألته عما حدث بالضبط آنذاك فأجاب ببساطة "
كنت أتكلم عن السينما، و لكن الجرائد تفعل ما تفعل". و روى حادثة عن أنه كان مدعوا عند شريهان، و دعته سعاد حسني، لكنه اعتذر لارتباطه مسبقا بموعده عند شريهان، فقال له صديق "حد في الدنيا تدعوه سعاد حسني و يروح لشريهان؟" ويعلق الماغوط على ذلك قائلا: "فعلا عنده حق".
و في اللقاء المذكور، الذي أجرته معه عبله الرويني، وهي زوجة واحد من أبرز شعراء مصر، الراحل أمل دنقل، أجاب عن عدد كبير من الأسئلة باقتضاب، و بسخرية مريرة، هي نفسها التي ميزت أعماله الشعرية، كما في مجموعته الأخيرة "
سياف الزهور"، وكتاباته الصحفية التي يكتبها في مجلة "الوسط" كل أسبوع، كما ميزت مسرحياته "العصفور الأحدب"، و"المهرج"، و كذلك "ضيعة تشرين" و "كأسك يا وطن" و غير ذلك
من مسرحيات مثلها له الفنان السوري الكوميدي دريد لحام.
عن انضمامه إلى الحزب القومي السوري في الخمسينات، قال الماغوط: "
كانت تجربة مضحكة. كان عمري 13 عاما، وكان هناك برد و مطر في السلمية (بلدته في وسط سوريا). قالوا إن هناك أحزابا جديدة قادمة إلى البلد. و سالت، ما هي المواصفات؟ فقالوا حزب البعث بعيد عن بيتنا، وليس لديه مدفأة. الحزب القومي السوري كان قريبا من بيتنا ويمتلك مدفأة".
لكن عضوية الماغوط في الحزب القومي السوري مكنته من فعل أشياء كثيرة، فقد فتح له الحزب أبواب الشهرة كشاعر يكتب إلى جانب شعراء الحزب الآخرين، و خاصة أدونيس في ذلك الوقت. وبالطبع، أبواب المجلات الأدبية التي كانت قريبة من الحزب، مثل مجلة "شعر"، و أبواب الزواج، فقد تزوج من الراحلة سنية صالح، وهي أخت خالده سعيد، زوجة أدونيس، أي أن أدونيس عديله. و فتحت له أيضا أبواب السجن الذي دخله أكثر من مرة بسبب آرائه السياسية، كان أولها في العام 1955 كما يقول.
عن السجن يقول الماغوط: "
فكرة السجن أكثر من مرعبة. أتحدى أن يدخل أي إنسان السجن ولو يوما واحدا وينساه. نحن جيل دشن فينا الإرهاب السياسي".
و عن الشعر يقول إن أول من التفت إلى شعره كان الشاعر نزار قباني الذي شاهده وهو يلبس الشورت ذات يوم في الخمسينات فقال له "اللي بتعملو شيء حلو". وعن جو مجلة "شعر" البيروتية التي كان يرأس تحريرها الشاعر يوسف الخال في أواخر الخمسينات قال الماغوط "
إن أهم ما كان يشغلني دائما هو الثلاجة والأكل، بينما كل من حولي يتكلم عن الشاعر إزرا باوند، وعن الشعر والنظرية".
و يقول عن الشاعر اللبناني أنس الحاج إنه كان قليل الكلام، ويقول عن يوسف الخال الذي كان رئيس تحرير مجلة شعر، إنه كان مختلفا عن أدونيس، فهو في رأيه "إنسان غني داخليا. فكر وعلم وثقافة". ويروي كيف حاول مرة أن يعلمه التسكع، وهو الأرستقراطي.
أما أدونيس فيستأثر بهجوم خفي منه، فهو يرى أنه، الماغوط، كان سيكتب مثل أدونيس لو درس وتثقف. ولكنه لا يحب ذلك كما أنه لا يحب شعر أدونيس ويضيف "
لا أحب القصيدة الفكرية. لو عندي فكرة لكتبتها في مقال". و يمضي قائلا رأيه في شعر "عديله" أدونيس فيقول: "أدونيس يكتب أفكارا، كل شعره فكر، وهو منذ البداية يعرف أين يذهب وكيف يسير، إنه منظم ومرتب. أحب شعره القديم، لأنه كان فيه معاناة. أما شعره الحالي فلا أفهمه".


أرابيا أون لاين
مايو 20, 2001


الماغوط الذي لا يمشي بين رصفين


مفيد نجم


لم تكن شعرية محمد الماغوط امتدادا لشعرية احد، وعلى الرغم من أنها أثرت في تجارب كثيرين أتوا بعده وحاولوا ان يقتفوا أثره، إلا انه ظل حالة شعرية خاصة تحمل علامات تفردها، وهويتها النابعة من خصوصية التجربة التي عاشها والرؤية التي رسمت فضاءه، والذات الشاعرة التي صاغت لغتها من عذاباتها وحزنها اليومي، وأحلامها المغتالة بين ملايين الجدران، وتحت سقف الحياة الواطئ.
من هنا فقد شكل صدور منتخبات من قصائده في كتاب في جريدة تحت عنوان «حطاب الأشجار العالية» مناسبة للاحتفال بشعرية الماغوط، فأصدرت مؤسسة تشرين كتاب «نسر الدموع» الذي تضمن قراءات في تجربة الشاعر قام بتحريرها خليل صويلح وبعد فترة وجيزة أصدرت دار البلد للنشر كتاباً آخر بعنوان «اغتصاب كان وأخواتها» وضم عدداً من الحوارات السابقة التي كان الماغوط قد أجراها، وقام بتحرير الحوارات
وتصنيفها خليل صويلح أيضا، مما يوفر للقارئ والباحث معاً فرصة التعرف على جوانب تجربة الماغوط المختلفة، والى آرائه ومواقفه التي يبدو ان الماغوط لم يفارقها ولم يتخل عنها في مسيرته الشعرية كما يلاحظ ذلك من خلال إجاباته التي يقدمها في حواراته المختلفة.
ينقسم الكتاب الأول الى قسمين اثنين يتضمن الأول أكثر من عشر مقالات نقدية لمجموعة من النقاد والشعراء العرب، في حين يشتمل القسم الثاني على مجموعة من الشهادات لأدباء وشعراء سوريين وعرب أيضا وتمثل الدراسة التي قدمتها الشاعرة السورية الراحلة سنية صالح زوجة الشاعر والتي كانت قد كتبتها كمقدمة لأعمال الشاعر الكاملة التي صدرت في منتصف السبعينيات أهم دراسة مكثفة تصف خصوصية الماغوط كشاعر وإنسان وكتجربة قاسية عاشها ظل يناضل فيها من اجل وجود بديل أكثر كرامة وحرية وعدالة.
ولذلك ظل حليفاً للقضايا الخاسرة في واقع لا يحتمل أحلامه وطموحه المؤجل والمخذول.
لقد شكل تفرد الماغوط في ريادته لقصيدة النثر موضوعاً مهماً للنقاد الدكتور صلاح فضل الذي يدرس الرهان الشعري للنثر ممثلاً بتجربة الماغوط الشعرية التي يحلل عناصرها الهيكلية، في حين ان خيري منصور يركز على دراسة الصورة الشعرية التي هي وسيلة التعبير الأساسية في شعر الماغوط الذي يؤكد محمد جمال باروت في دراسته انه أعطى الاعتيادية أفقا شعرياً لم يكن لها من قبل.
ويذهب الشاعر سيف الرحبي في قراءته لتجربة الماغوط الى ان جدية مزاجه الشعري جعلته غير قابل للاندراج ضمن مشروع شعري جماعي، ويرى الناقد خلدون الشمعة ان الشاعر كان رومانتيكيا بمنظار واقعي، إما الشاعر الناقد حاتم الصكر فيركز على موضوع الاندفاع الفطري في مغامرته الشعرية والذي منحه تميزه.
الأديب زكريا تامر صديق الشاعر منذ البداية يصف الماغوط بعد تجربة أكثر من نصف قرن بأنه خبر في هذه التجربة ما على القمة وما في الهاوية، حيث تغدو الحياة مع فقدان الحرية هي الوجه الثاني للموت.
أو هي التي يشرّفها ما تجرع الشاعر من آلام الشعر كما يقول الشاعر نزيه أبو عفش، أو التي نكتشف معها قوة الصدمة وعمق الدلالات التي أحدثتها نصوص الماغوط وفق ما يقوله الشاعر قاسم حداد.
في الكتاب الثاني يتحدث خليل صويلح في مقدمته عن علاقته بالماغوط وكيفية حصوله على أرشيف الشاعر الذي قدمه له من اجل إعادة جمع ونشر هذه الحوارات في كتاب خاص، قام المحرر بفرزها وتجميعها وتصنيفها في سبعة أبواب تغطي مسيرة تجربة الماغوط منذ البدايات وحتى الوقت الراهن، وقد خصص الباب الأول الذي حمل عنوان «مسقط الرأس» الحوارات التي تتحدث عن ولادة الشاعر في الثلاثينيات من القرن الماضي في قرية تقع على حدود الصحراء تسمى السلمية التي كانت ذات يوم معقل القرامطة والمتنبي والتي أثرت كثيراً في تشكيل وعيه الأول وذاكرته الشعرية التي ظل مشدوداً إليها بروحه المقطوعة، وحنينه الحزين الموحش في مدن الوحل والبرد والغربة.
ويذكر الماغوط في حواراته ان أول صورة يتذكرها في طفولته هي صورة السماء الشاحبة والسحب والرمال وهو في الخامسة من عمره يتشبث بحضن أمه التي يصفها بأنها كانت شاعرية في طبعها وتحب الزهور والتي منحته الحس الساخر والصدق والسذاجة.
وتتحدث حوارات الجزء الثاني عن مرحلة دخوله سجن المزة العسكري في مرحلة الخمسينيات بسبب انتمائه للحزب السوري القومي وبحسه الساخر يتحدث الماغوط عن اسباب انتمائه الى هذا الحزب فيقول «وفي طريقي للانتساب الى أحدهما «البعث والقومي السوري» اتضح ان أحدهما بعيد عن الحارة ولا يوجد في مقره مدفأة ولأنني كنت متجمد الأطراف من البرد اخترت الثاني دون تردد» ص 37. ومما يذكر ان الماغوط دخل السجن في مرحلة مبكرة من عمره إذ كان عمره آنذاك 19 عاماً.
وبنفس اللغة الساخرة يتحدث الماغوط عن علاقته بمجلة شعر اللبنانية والحداثة في الشعر، لكنه يعترف ان المجلة كانت الخيمة التي آوته والمنبر الصغير الذي ساهم في إيصال صوته الى الآخرين بصدق ودون أي مكر سياسي، كما يقدم آراءه في عدد من شعراء مجلة شعر كأدونيس ويوسف الخال وانسي الحاج بالإضافة الى عدد من الشعراء العرب المعروفين كبدر شاكر السياب والبياتي والقباني وينضح صدق وجرأة الماغوط في تقديم آرائه فيهم بإيجاز وتحديد واضحين.
الفصل الرابع يتناول تجربة هروبه وتخفيه في احد البيوت الواطئة والصغيرة في حي قديم من أحياء دمشق المعروفة، هو حي عين كرش، حيث استوحى من هذه التجربة المريرة والقاسية كتابة عمله المسرحي العصفور الأحدب في عام 1963، والتي كتبها كما يقول في اقل من عشرة أيام، وقد كانت في الأصل مشروع قصيدة، لكنه فيما بعد حولها الى مسرحية.
ويتحدث الماغوط في هذه الحوارات عن علاقته بزوجته سنية صالح التي يؤكد أنها كانت بالنسبة اليه بمثابة ام وحب ومرض، وكان رأيها فيما يكتب هو الأساس، كما يتحدث عن المرأة التي يرى إنها المكان الوحيد الذي يجعل من الجهات الأربع جهة واحدة لا يمكن تحديدها، وحول عزلته التي يعيشها منذ زمن يعلن الماغوط انه لا يحب ان يقابل أحدا فهو يحب الوحدة والصمت وهو إنسان سوداوي وليس له أصدقاء جدد والكتابة هي عالمه الذي يضيع عندما يحاول ان يخرجه منه.
ان شاعر التسكع والأرصفة والتبغ قد أدمن منذ ثلاثين سنة على الاستيقاظ فجراً والذهاب سيراً على القدمين الى مقهى شعبي يدعي «مقهى أبو شفيق» وهناك يقرأ الصحف ويكتب، حيث كتب هناك مسرحياته الأخيرة ضيعة تشرين وغربة وكأسك يا وطن وشقائق النعمان، وسيناريوهات أفلام الحدود والتقرير والمسافر،
وحتى بعض قصائده فنهر بردى الذي تلاشى هو مرآته التي كان يرى فيها نفسه، فهو يشبه الشاعر الصامت العجوز وخلال مسيره الذي يبلغ 5 كيلومترات يضع الماغوط في أذنيه سماعتي الوطن ولا يتكلم مع احد في الطريق، كما لا يجلس مع احد في المقهى الذي بقيت ذكراه في ذاكرة الكثيرين كما هو الحال بالنسبة لنهر بردى الذي كان يمنح المكان جمالية وإيقاعا خاصين.
وعن المدن التي عرفها دمشق وبيروت وباريس يتحدث الماغوط بصدق وشاعرية تفيض بالمودة والحب عن دمشق التي أحبها لأنها استطاعت ان تسكنه في حين كانت بيروت أكثر من ام احتضنته لكنه بعد ان تغيرت المدينة وفقدت معالمها التي ألفها وأحبها، ظل يحن الى وجهها القديم..
وفي الفصل الأخير صورة جانبية في خمسين مرآة هناك فلاشات سريعة وكثيرة حول آراء الماغوط المكثفة جداً في قضايا إنسانية وفي نفسه وفي الواقع والحياة والصدق والمدرسة والحب، وكما تميز شعر الماغوط بـ «كوميدياه السوداء» كذلك تميزت إجاباته التي لا تخلو من سخرية لاذعة وجريئة فالماغوط يذهب في أقواله الى الموضوع مباشرة ومن دون مقدمات ولذلك تكون آراؤه حرة وجريئة وصادقة، كما هو شعره الذي كان بيتاً بلا سقف كما يصفه في إجاباته.




الأحد 25 شوال 1423هـ
29 ديسمبر 2002
العدد 151